انتخابات البرلمان الأوروبي....التجارة بالخوف

يتوجه في الثالث والعشرين من هذا الشهر الناخبون من 28 دولة أوروبية لانتخاب 751 عضواً بالبرلمان الأوروبي وسط استطلاعات تقول إن الأحزاب الشعبوية والمتطرفة سوف تزيد حصتها في البرلمان الوحيد العابر للحدود على مستوى العالم، ومحاولة هذه الأحزاب تشكيل تحالف برلماني قد يغير وجه السياسة الأوروبية خاصة أن أحزاب اليمين الأوروبي ترفع شعارات «تخويف» الناخب الأوروبي من المهاجرين والعرب والمسلمين، فما هي حظوظ الأحزاب الشعبوية في انتخابات البرلمان الأوروبي؟

وهل تستطيع أحزاب «الوسط ويمين الوسط» التي لها الغالبية الآن وقف زحف اليمين المتطرف؟ وكيف سيطرت الأحزاب الشعبوية على «النقاش السياسي» ودفع الناخبين للتصويت لهم من منطلق الخوف من الآخر؟

أولاً: المؤكد أن الأحزاب الشعبوية حققت نتائج كبيرة في انتخابات الدول الأوروبية منذ آخر انتخابات للبرلمان الأوروبي عام 2014، بل إن بعض الأحزاب الشعبوية وصلت للسلطة في دول مثل إيطاليا والمجر وبولندا، كما دخلت أحزاب شديدة التطرف إلى البرلمان مثل «حزب البديل من أجل ألمانيا» الذي حل في المرتبة الثالثة في الانتخابات التشريعية الألمانية التي جرت في سبتمبر 2017، وصوت الشعبويون البريطانيون لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي عام 2016، وهو ما يشير إلى ارتفاع مؤشر التأييد لهذه الأحزاب منذ عام 2009.

فبينما التوقعات تشير إلى سيطرة الأحزاب الشعبوية على ثلث المقاعد في البرلمان القادم، فقد حققت هذه الأحزاب 11 % فقط عام 2009، و20 % عام 2014، لكن من المؤكد أيضاً أن حزب الشعب الأوروبي «يمين الوسط» سوف يظل القوة الأكبر في البرلمان الأوروبي والتي تضم أحزاباً مثل الاتحادي الديمقراطي، والاجتماعي الديمقراطي في ألمانيا، وحركة إلى الأمام التي يقودها الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

ثانياً: كشفت كل استطلاعات الرأي أن الأحزاب الشعبوية عمقت حالة الخوف لدى 512 مليون أوروبي تجاه الهجرة والعرب والمسلمين، خاصة بعد عام 2015 الذي انتهجت فيه المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل سياسة «الباب المفتوح»، وأدت لدخول أكثر من مليون لاجئ غالبيتهم من سوريا، ورسمت الأحزاب الشعبوية في لقاء جمعها لأول مرة في روما عن «خريطة طريق» لسياستها المستقبلية ضد المهاجرين والعرب والمسلمين تهدف لتعديل القواعد العامة للجوء في دول الاتحاد الأوروبي، ووفق الموقع الرسمي لحزب البديل من أجل ألمانيا فإنه يدعو لـ«تحول نموذجي» و«تغيير جذري» لقضية المهاجرين، للوصول إلى ما أسماه الحزب ببناء «حصن في أوروبا» خوفاً من تهديد «وجودي» للحضارة الأوروبية، وتهميش الأوروبيين في النهاية، حسب تصور هذا الحزب.

ثالثاً: تدعو الأحزاب الشعبوية إلى رفض نظام اللجوء الأوروبي المشترك، ورفض اتفاقية «دبلن» التي تنص على نظام توزيع الحصص للاجئين على الدول الأوروبية، كما تدعو لنوع من التعاون العالمي لضمان بقاء اللاجئين في دولهم، وإلغاء الحوافز التي تجذب طالبي اللجوء إلى ألمانيا مثل الفترات الطويلة لفحص طلبات اللجوء، والوصول إلى سوق العمل قبل حصولهم على وضع اللجوء، ودعم الاتحاد الأوروبي لإعادة إعمار مناطق الأزمات لتمكين المهاجرين من العودة، ورفض اتفاقية الشنجن لحرية الحركة مع إعادة ترسيم وتفعيل الحدود الوطنية لكل دولة من دول الاتحاد الأوروبي.

رابعاً: تسعى الأحزاب الشعبوية إلى تشكيل تحالف أو كتلة شعبوية برلمانية موحدة تحت اسم «التحالف الأوروبي من أجل الشعوب والأمم»، ويشمل التحالف حزب الرابطة الذي يقوده وزير الداخلية الإيطالي ماتيو سالفيني، والبديل من أجل ألمانيا، وحزب الفنلنديون الحقيقيون، والشعب الدنماركي، وحزب الحرية النمساوي، والتجمع الوطني الذي تتزعمه مارين لوبن فى فرنسا، وحزب الفجر الذهبي من اليونان، وسيركز هذا التحالف على ثلاثة أهداف هي منح سلطة أقل لبروكسل، ووقف تدفق المهاجرين إلى الحدود لدول الاتحاد، وتنفيذ «نموذج أستراليا» في الهجرة القائم على انتقاء المهاجرين، وحماية الهوية الثقافية لأوروبا.

خامساً: التحدي الأكبر في انتخابات البرلمان الأوروبي القادمة هو نسبة المشاركة، فكلما زادت المشاركة تراجعت مقاعد اليمين المتطرف، لذلك أطلقت الحكومات الأوروبية المؤمنة بالقيم التي تأسس عليها الاتحاد الأوروبي حملة «هذه المرة سأصوت» والتي تهدف لرفع نسبة المشاركة إلى أكثر من 65 % بعد أن كانت 43 % فقط في انتخابات 2014.

نعم ستكون انتخابات البرلمان الأوروبي مفصلية ليس فقط في تاريخ الأوروبيين بل في تاريخ الإنسانية كلها، فالحروب العالمية التي راح ضحيتها الملايين كانت من بنات أفكار الأحزاب الشعبوية والمتطرفة التي تحاول أن تطل علينا من جديد، فهل ينجح تحالف العقلاء في مقابل المتاجرين بالخوف؟

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات