.. ومتى يعتذر المجرمون الكبار؟!

بالطبع.. لن يعوضنا اعتذار الداعية عايض القرني أو غيره من الشركاء فيما أسموه «الصحوة الإسلامية» عن الأرواح التي أزهقت والدول التي دمرت والدماء التي سالت، بسبب تلك الصحوة المزعومة التي فتحت أبواب التشدد والكراهية أمام شباب خدعوه باسم الدين الحنيف.

لكن هذا الاعتذار واجب ومطلوب، لكي يكشف زيف الباطل الذي أشاع الفساد في الأرض العربية، ولكي يفضح من كانوا وراء الجريمة ومن شاركوا ومولوا ودعموا مخطط إغراق بلادنا في الفوضى والدمار باسم الرسالة السماوية، التي جاءت هدى ونوراً وتسامحاً وإخاءً وسلاماً بين العالمين.

يعيدنا اعتذار الرجل إلى أيام البدايات لهذه الكارثة التي عاشها العرب والمسلمون مع هذه الصحوة المزعومة، كان العرب يمرون بفترة واعدة بكل ما هو خير بعد حرب أكتوبر المجيدة، كان التحالف المنتصر الذي جمع دول المواجهة ودول المساندة قد خلق قوة قادرة على بناء كتلة عربية تملك كل أسباب بناء التقدم وصنع النهضة.

على الجانب الآخر كان هناك من يخطط منذ البداية للانتقام من النصر العربي ولضرب إمكانات بناء القوة العربية، وسط كل ما قيل يومها عن هذه المخططات، كان لافتاً أن نسمع من أحد كبار العقليات المخططة في الغرب والمعادية للعرب من يقول: علينا أن نصنع لهم الإسلام الذي يناسب أهدافنا!

بعد سنوات قليلة، كنا نشاهد الحركة نحو هذا الهدف في اتجاهات عدة، وفي الوقت الذي كانت فيه «الخومينية» تطبق على مقاليد الأمور في إيران، كان «الإخوان» يعيدون بناء تنظيماتهم بعد الخطأ الفادح الذي ارتكبه السادات حين تحالف معهم بعد أن كانوا قد تلقوا الضربات القاصمة، إثر محاولاتهم اغتيال عبد الناصر، وكالعادة استغلوا تحالف السادات معهم ثم اغتالوه، ومضوا في طريق التآمر باسم الإسلام حتى اليوم.

وبجانب الإخوان والخومينيين، كان الغلاة يشكلون الضلع الثالث فيما أسموه الصحوة الإسلامية، وكانوا يتغلغلون في المجتمع ينشرون التشدد، ويمسكون بزمام الأمور في التعليم والدعوة، ويستغلون الظروف التي مرت بها المنطقة ليأخذوا شباب الأمة إلى جحيم التطرف والكراهية.

تأخر طويلاً اعتذار عايض القرني، ومع ذلك فقد جاء ليضيف تأكيداً جديداً على ما كشفته سنوات المعاناة الطويلة، أن ما تم تحت راية هذه «الصحوة المسمومة» لم يكن إلا جرائم حقيقية في حق إسلام قام على الرحمة، وشعوب خدعها من اغتصبوا سلطة الحديث باسم الدين وحق تكفير كل من يرفض دعاواهم الزائفة.

ويأتي اعتذار عايض القرني مع من سبقوه في التوبة، ليكشف عن علاقات لم تقتصر على التنظيمات الإرهابية، وإنما تعدتها للتحالف مع العدو الأجنبي، ومع أنظمة تنكرت لعروبتها وإسلامها مثل النظام القطري الذي حول الدوحة إلى مركز للقاء أجنحة التطرف والكراهية من الإخوان والخومينيين وغيرهم، وقاعدة لتعاون التنظيمات الإرهابية التابعة لأجنحة التطرف وللدول التي ترعاها وتدعمها وفي المقدمة – بالطبع – إيران وحرسها الثوري، وتركيا المبتلاة والإخوان المخادعين.

يعتذر القرني، وسوف يعتذر كثيرون ويكشفون خفايا هذه «الصحوة الإسلامية» ومن كان صادقاً منهم في توبته فسيكون عليه أن ينضم لجهد كبير لابد أن يبذل لاستئصال جذور هذا الفكر التكفيري المجنون الذي دفع أجيالاً من شبابنا إلى طريق الضلال الذي أساء للدين الحنيف وألحق بالعرب والمسلمين أفدح الكوارث.

سيكون على العرب والمسلمين «شعوباً وحكومات» أن تمضي في الطريق الصحيح لمواجهة الإرهاب واستئصال جذوره، وسيكون علينا أن نكشف كل الجرائم التي تمت باسم الإسلام وفي ظل ما أسموه «صحوة إسلامية» بينما كان – في حقيقته – المؤامرة الكبرى على العرب والمسلمين.

وسيكون على الجميع أن يدركوا أنه إذا كانت الظروف السياسية والتطورات في المنطقة والعالم قد أقنعت البعض بالاعتذار أو التوبة، فإنها تترك الآخرين يخوضون معاركهم الأخيرة أمام عالم لم يحتمل المزيد من الإرهاب.

يدرك «الإخوان» أن الأقنعة قد سقطت وأن الخداع قد انكشف، ويعرف أردوغان أن أوهان «السلطنة» قد تبددت، وأن الهزائم تلاحقه في الخارج والداخل، ويفهم حكام إيران جيداً أن أربعين عاماً من تصدير الفتن والتلاعب بمصير الشعوب، والتآمر على استقرار المنطقة قد انتهت ولم يعد ممكناً استمرارها.

ومع ذلك سيبقى أمامنا وأمام العالم معركة طويلة بدأناها وسنكملها من أجل عالم بلا كراهية ولا تعصب وستسقط دول وأنظمة وستبقى أفكار ضالة وتنظيمات تعتنق هذه الأفكار وضحايا ينخدعون بها، وكما سقطت «دولة الخلافة الداعشية» وبقي الدواعش يؤدون دورهم المشبوه والإجرامي. سيحدث ذلك مع آخرين!

سيتهاوى تحالف الأئمة والحرس الثوري في إيران، حين يحاسب الشعب هناك على ما وقع خلال أربعين عاماً، ويعاقب الأتراك أردوغان على هوس الخلافة، وسيظل نظام «حمد وحمد» يتخبط في قراءة الرسالة التي وصلته من كل الأطراف، رغم أن الرسالة واضحة ولا تحتمل إلا كلمتين: اللعبة انتهت!!

سيمضي هؤلاء، ولا أظن أن أحداً سوف يقبل منهم اعتذاراً عما فعلوه، وسيبقى أمامنا المهام الكبرى في التعامل مع الآثار الكارثية لعقود من صحوتهم المسمومة والكاذبة. أن نبني ما دمروه، وأن نحاسب على ما اقترفوه، وسيبقى الأخطر والأهم وهو أن نستأصل جذور أفكار الشر والكراهية، وأن ننشر قيم التسامح والمحبة بين البشر، وأن نبني أوطاناً تحتضن كل أبنائها وتنفتح على الإنسانية بكل رحابتها، وتبني مستقبلها بالعلم والعمل، وبعروبة لا تعرف العنصرية، وبإسلام لا يعرف إلا التسامح والإخاء بين البشر أجمعين.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات