صفقة القرن.. القوة فوق القانون

في تصريحاته في معهد واشنطن لأبحاث الشرق الأوسط، أفصح جاريد كوشنر صهر الرئيس الأمريكي والمستشار بالبيت الأبيض، عن بعض معالم صفقة القرن - التي يعكف مع فريق من المؤيدين لإسرائيل على إعدادها منذ ما يقرب العامين - والتي تتلخص في الإبقاء على القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل في أي اتفاق نهائي، وتجنب ذكر حل الدولتين على اعتبار أن هذا الحل لا يعني شيئاً واحداً للإسرائيليين والفلسطينيين، وكذلك تحسين أوضاع الفلسطينيين الاقتصادية من خلال المساعدات وتحقيق الأمن لإسرائيل.

وبطبيعة الحال ليس من الممكن الاقتصار في تقويم هذه الصفقة وتأسيس الرفض لها، على هذه التصريحات رغم أنها تفصح عن الكثير من محتواها وتكشف مدى الخطورة التي تنطوي عليها، لأنها أولاً تطيح حل الدولتين، وتعده معياراً قديماً وفاشلاً، لأنها ثانياً تتعامل مع طموح الشعب الفلسطيني وحقوقه المشروعة، كما لو كانت معروضة في مزاد علني للبيع والمزايدة، وثالثاً لانحيازها بالكامل لأمن إسرائيل؛ ومع ذلك فإن هذه التصريحات لا تستوفي دلالاتها الكاملة إلا بربطها بالسياسات والمواقف الأمريكية إزاء القضية الفلسطينية.

هناك مواقف الولايات المتحدة من القدس والاعتراف بالسيادة الإسرائيلية عليها ونقل سفارتها، وكذلك إغلاق ممثلية منظمة التحرير الفلسطينية في نيويورك وتقليص المساعدات للأونروا وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، ووقف المساعدات المقدمة للفلسطينيين والسلطة الفلسطينية.

أما على الصعيد الإقليمي والعربي، فإن الولايات المتحدة الأمريكية تقوم بتهيئة الأجواء الإقليمية لقبول الصفقة، وهو ما يعني تعزيز مكانة إسرائيل وتحسين صورتها والدفع في اتجاه تحسين العلاقات معها وتعزيز التعاون، من ناحية أخرى، فإن اعتراف الولايات المتحدة الأمريكية بسيادة إسرائيل على مرتفعات الجولان السورية المحتلة، لا ينفصل بحال من الأحوال عن التزام صفقة القرن المزمع الإعلان عنها بعد الانتخابات الإسرائيلية أمن إسرائيل. وهكذا فإن هذه الصفقة تمر بمراحل ثلاث مترابطة، أولاً مرحلة الإعلان الغامض عنها والتلويح بعزم إدارة ترامب على فرض حل نهائي للصراع، وثانيتها مرحلة السياسات العملية والمواقف المرتبطة بأهدافها وتهيئة المسرح الإقليمي والعربي للتعامل الإيجابي معها - والحؤول دون رفضها، أما المرحلة الثالثة والأخيرة فتتمثل في الإخراج والإعلان عنها.

أخطر الجوانب التي تتعلق بهذه الصفقة يتمثل في ارتكازها على القوة وإدارة الظهر لمبادئ القانون الدولي والعلاقات الدولية، المتمثلة في ميثاق الأمم المتحدة وقراراتها أو في الاتفاقيات والمعاهدات الدولية، والتي تمثل عصب النظام الدولي الحديث والمعاصر؛ وخاصة حق تقرير المصير والتحرر من الاستعمار وحظر العنصرية والتمييز وعدم جواز الاستيلاء على الأراضي بالقوة والعدوان، واعتبار الاحتلال لأراضي الغير حالة مؤقتة تنتهي بانتهاء الاحتلال، ولا تبطل سيادة الشعب على أراضيه بل توقفها مؤقتاً.

والحال أنه إذا كانت هذه الصفقة تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية التي تنطوي منذ نشأتها على مكون دولي واضح وأساسي، فإن آثار الصفقة تتجاوز في تقديري القضية الفلسطينية، حيث إنها أي الصفقة ترسي سابقة خطيرة في تاريخ النظام الدولي والعلاقات الدولية والتي تتمثل في تسوية نزاع وصراع كالصراع العربي الإسرائيلي والفلسطيني الإسرائيلي، وفقاً للإرادة الأحادية والمنفردة لأحد الأطراف في النزاع، من دون الأخذ بعين الاعتبار مصالح الطرف الآخر واستناداً إلى معيار القوة وليس معايير القانون الدولي والعدالة الدولية.

وإذا كان من الصحيح أن الشعب الفلسطيني قيادة وشعباً وفصائل مع الظهير العربي والإسلامي هو المعني بمقاومة هذه الصفقة ورفضها، فإن العالم برمته لن يستطيع تجاوز آثار هذه الصفقة، إذا ما تمكنت من التحقق ولن يستطيع العالم والقوى الفاعلة فيه اليوم الصمت إزاء هذه الصفقة أو التواطؤ معها، وإذا ما حدث ذلك فإن الطريق سوف يفتح ويمهد لتهميش قواعد ومبادئ القانون الدولي والعلاقات الدولية والتنظيم الدولي الحديث والمعاصر، ويعود المجتمع الدولي القهقرى إلى الوراء، إلى إباحة حق الفتح والغزو وفقاً لمعيار القوة والضعف وشريعة الغاب حيث يعصف الأقوى بالأضعف والأكبر بالأصغر، دونما اعتبار للمعايير القانونية والأخلاقية التي توافقت الدول على احترامها، وظل انتهاك هذه القواعد والمعايير يمثل استثناء من القاعدة ومداناً وخارجاً عن هذه المعايير.

في هذا السياق، فإن الموقف الأوروبي أي موقف الساسة والدبلوماسيين الأوروبيين السابقين قد استند إلى ذلك في موقفهم من الصفقة، حيث أجمع رموز السياسة والدبلوماسية والحقوق والحريات والمسؤولين السابقين من مختلف الدول الأوروبية في وثيقة تعزز العمل الأوروبي وصياغة صورة أكثر قوة لرفض الموقف الأمريكي، والتأكيد على القيم والمعايير الأوروبية للتعامل مع القضية الفلسطينية، جمعت هذه الوثيقة الموقعة من 37 مسؤولاً أوروبياً ومن بينهم وزراء خارجية ورؤساء وزراء سابقون ومفوضون عن المفوضية الأوروبية بين المعايير الأوروبية وقواعد القانون الدولي وحل الدولتين المتوافق مع هذه المعايير.

 

ـــ كاتب ومحلل سياسي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات