أكرمنا بسكوتك

الرغبة في الدخول بنقاش ما تتطلب «الوقوف في الطابور» تماماً كما يحدث في المتاجر والمخابز والمقاهي. غير أن البعض يريد أن يتجاوز أدوار الآخرين «فيخطر الدور» كما يقال ليقتحم النقاش متجاهلاً رغبة من ينتظرون بأدب جمّ انتهاء المتحدث من كلامه. هذه المشكلة أزلية.

تعود إلى زمن الهنود الحمر الذين وضعوا حلاً لفوضى النقاش، عندما استخدموا عصا غليظة تقدم لشخص واحد تمنحه فرصة التحدث من دون مقاطعة أحد. وبعدما يفرغ من كلامه يسلمها إلى آخر بدت على ملامحه الرغبة في الدخول بالنقاش. وهكذا حتى ينتظم الأمر، ويتعلم المشاركون تفادي معضلة تحدّث الجميع في آن واحد.

والنقاش عموماً يشبه حالة الممثلين على خشبة المسرح. هناك متحدث وآخر مستمع. وإذا ما تحدث اثنان في وقت واحد ستثور ثائرة المخرج. أذكر أنني حضرت بروفات عروض مسرحية في الكويت، عندما بدأ الممثل الثاني بمقاطعة الأول ليتحدث الاثنان معاً.

وفجأة وقف شخص في منتصف القاعة الخالية من الجمهور وقال بأعلى صوته: «ستوووووب» أي توقف. وإذا به المخرج يقول ما معناه: غير مقبول أن يتحدث شخصان في وقت واحد، «بعد ما ينهي فلان عبارته تدخل أنت بعده».

ربما كان مشهداً تمثيلياً لكنه يعكس معاناة الواقع. فلا يمكن أن نسمع اثنين في وقت واحد؛ لأن ذلك يحدث ما نسميه بالتداخل في الحوار overlapping، وهو ما يقطع حبل أفكار المتحدث، فضلاً عن الفوضى العارمة التي يحدثها دخول أكثر من طرف.

ولذا جاء الهنود الحمر بطريقة جميلة تنظم نقاشاتنا، التي أشار إليها المحاضر في الإدارة ستيفن كوفي. وأشبه عصا الهنود الحمر بالميكروفون في عصرنا، الذي يعد الإمساك به حق لشخص واحد في التحدث من دون مقاطعة، ثم يمرره لشخص آخر بدت على محياه رغبة في التحدث.

مشكلتنا أن عدداً كبيراً من المذيعين يرتكبون هذه الأخطاء قبل أن يكمل الشخص فكرته. فيفاقمون المشكلة ويروجون لها. وقد ذكرت ذات مرة في كتابي «لا تقاطعني!» دراسة علمية أجريتها على البرامج الحوارية الفضائية، حيث توصلنا إلى أن ربع المذيعين (25٪‏) يمارسون عادة المقاطعة في وقت غير مناسب، وذلك حسب الدراسة التي أجريتها مع رئيس قسم الإعلام بجامعة الكويت د. يوسف الفيلكاوي.

ولذا كان الدخول إلى النقاش مثل الدخول في الطابور، يتطلب التمعّن في وجوه الحاضرين ممن يرغبون في الإدلاء بدلوهم. ولذا كان الانتباه إلى الإيماءات مسألة بديهية في النقاش، خصوصاً حركة فم المستمعين وأجسادهم.

مثل حرف الـO بالإنجليزي الذي يرتسم على ثغر مَن يتابع الحديث الذي يُعد مؤشراً على الرغبة في التعليق. فهذه الوضعية الدائرية ترمز إلى محاولة نطق الحرف الأول من المداخلة التي لا يبدو أن المتحدث ينتبه إليها.

وفي مرحلة متقدمة من تجاهل المتحدث لتلك الإيماءات يضطر المستمع إلى لمس كتف أو ذراع المتحدث، لينبهه إلى أنه أو من بجانبه يرغب في التعليق! ولسان حاله يقول «أرجوك أكرمنا بسكوتك».. والسكوت هو دور من أدوارنا في الحوار.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات