يا عقلاء العالم اتحدوا

شهد العالم منذ فترة عدة هجمات غاشمة على دور العبادة في العالم. ولم يستثن دين أو عقيدة. ففي 2012 على سبيل المثال سقط 6 ضحايا في معبد سيخ في ولاية وسيكنسون الأمريكية حين اعتدى مسلح على المعبد.

وفي 2015، قام رجل عنصري عمره 21 عاما بمجزرة ضد سود في كنيسة شارلستون بولاية ساوث كارولاينا، ذهب ضحيتها تسعة أشخاص بما فيهم القس الذي كان يرعى القداس. وفي أكتوبر الماضي قتل 11 شخصا في كنيس يهودي في مدينة بيتسبرغ بولاية بنسلفانيا الأمريكية بعد أن أطلق رجل عنصري النار على رواد الكنيس.

ويبدو أن العنصرية المتفشية في العالم لا تخص ديناً أوعرقاً أوجماعة. ففي حادثة رهيبة في بلد وديع كنيوزيلاندا تمكن رجل عنصري من قتل خمسين مصلياً في مسجدين في مدينة كرايستشيرش.

وتبعها حادثة مماثلة في قتل 250 متعبداً في كنيسة في سريلانكا يحتفلون بعيد الفصح؛ قلب المتطرفون أفراحهم إلى أتراح. وأخيراً الحادثة في ولاية كاليفورنيا الأمريكية والتي راح ضحيتها مصلون في كنيس أثناء احتفال بعيد الفصح اليهودي. وأعلن منفذ الهجوم بأنه معاد للسامية وللإسلام. وانه يسعى لقتل مزيد من اليهود.

ونرى هنا نمطاً في استهداف دور العبادة، حيث يذكر اسم الله، باسم الله أو التفوق العنصري في بعض الأحيان مختلطاً بالدين. ولكن يبقى السؤال لماذا نشهد هذه الأعمال بتزايد وما العمل تجاه هذه الأعمال الوحشية التي تتنافى مع ابسط القيم الدينية والحضارية.

يجب أن يكون ردة فعل العقلاء في العالم كله بجميع أجناسه وأطيافه قوية ومستهجنة للأعمال الوحشية. ولكن هذا ليس كافياً. فعلى العالم المتحضر أن يحصّن دور العبادة بأكبر قدر ممكن من دون تحويل هذه المساحات الروحية والتعبدية إلى ثكنات عسكرية تنتقص من دور الكنائس والمساجد كمراكز روحية تشع منها المحبة والوئام.

المسألة الأخرى، علينا أن نجنّب هذه الأعمال التسيس، فالجلاد والضحية متنوعان بتنوع الأعراق والديانات. والإرهاب ليس حكراً على أحد، والضحايا ليسوا خاصية لأحد. فالإنسانية جميعها تواجه هذا التعصّب والكراهية التي تمور بأقطار كثيرة.

ولا يجب استغلال هذه الأعمال لأغراض سياسية، فإن ضحية الأعمال الوحشية هي الإنسانية جمعاء. ليس اليهود أو السيخ أو المسلمين والمسيحيين فحسب، ولكن كل من أراد أن يهنأ بعيش آمن بعيداً عن الخوف وبعيداً عن الوجل والهلع.

فلا يمكن العيش في ظل التهديدات المستمرة من المتعصبين دينياً أو عرقياً. فعلى عقلاء العالم أن يكونوا صفاً واحداً ضد أعمال القتل والترهيب ولاسيما في البقاع المقدسة. ولا يجب أن يتأثروا بمجريات الأحداث السياسية والتقاطعات الأيديولوجية.

وعلى عقلاء العالم أن يتدبروا هذه الأمور التي تحصل بكثير من الحصافة والتحليل المنهجي القويم ومعرفة الأسباب الحقيقية الكامنة وراء العنف. وعلينا إقامة المؤسسات البحثية لهذا الغرض لتحري الأنماط الجامعة لهذه الأحداث العنيفة، وتبني مقاربات متعددة لفهم هذه الظاهرة.

وأيضاً السعي لإيجاد حلول لهذه الظواهر المتوحشة في أكثر المجتمعات تقدماً؛ فالعنف ليس خاصاً بجغرافيا أو ثقافة معينة. فالقضايا الاجتماعية أو النفسية أو السياسية لها تأثير على هذا النمط من السلوك.

كما أن من المهم فهم جذور الحقد على ديانات معينة واختيار معابد للهجوم. لماذا يختار شاب في مقتبل العمر أن يضحّي بحياته وحياة الآخرين لمجرد الاختلاف الديني أو العرقي. وما الدواء الناجع لهذا السلوك؟

مهماً في هذا الإطار التنشئة الاجتماعية والتربية والتعليم لصياغة مقاربات لتقريب الثقافات وليس تغريبها. من المهم تعلم النشء ثقافة التسامح، والأفضل تعليمهم توقير الاختلافات بين البشر. وان الاختلاف ليس مبرراً للخلاف ناهيك عن الصراعات والعنف والكراهية. وكما تقول الآية الكريمة: «وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً». فسر هذا الكون في تعدده وهكذا أراده الخالق عز وجل.

ومن المهم عقد المؤتمرات بين رجال الفكر والدين من مختلف أصقاع العالم. وهنا يجب أن نشيد بالجهد الجبار الذي قامت به دولة الإمارات في تأسيس مجلس حكماء المسلمين، والذي يسعى لنبذ التطرف وتحقيق الإسلام الوسطي؛ الإسلام الذي أعطى العالم حضارة خالدة.

وكذلك في تأسيس منتدى تعزيز السلم في المجتمعات الإسلامية والذي «ما فتئ يذكر بأولوية السلم على غيره من المطالب والمقاصد، انطلاقاً من تشبثه بالدين الإسلامي أصولاً وفروعاً جزئيات ومقاصد»، كما جاءت في رسالته.

ولقاء شيخ الأزهر وبابا الكنيسة الكاثوليكية في أبوظبي يصب في هذا الاتجاه نحو تآخي الأديان والتي هي رسالة إلى العالمين من الخالق إلى الخلق ليتعارفوا وليس ليتناحروا.

ويقول المفكر اللبناني الكبير رضوان السيد في تعليق له على أحداث سريلانكا إن «الدواعش لا يتصورون الإسلام والمسلمين جزءاً من العالم، وشريكاً فيه، ومنتمياً للقيم الإنسانية الكبرى التي تحتضنها الديانات والحضارات. لقد أنجز المسلمون حضارةً كبرى، وهم يتشوقون لاستئناف القول والفعل الحضاري. وكلُّ تلك السيرة هي غير سيرة «داعش»، بل ومناقضة لها». لهذا على عقلاء العالم أن يتحدوا!

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات