الجيش الجزائري طرف في التغيير

لا يخفى على أي متابع للحراك الشعبي في الجزائر، نغمة التحريض المتصاعدة ضد الجيش، وقائده الجنرال «أحمد قايد صالح» رئيس أركان الجيش الشعبي الوطني ووزير الدفاع منذ العام 2013، وأحد قادة حرب التحرير ضد الاستعمار الفرنسي.

ولا يخفى على أحد من المراقبين أن تلك النغمة، هي لأطراف تسعى لعرقلة المرحلة الانتقالية، وللدفع نحو الصدام بين المؤسسة العسكرية وبين الحراك الشعبي، الذي لايزال يفتقد لقيادة موحدة، مكتفياً بشعاراته التي يلتف حولها المتظاهرون من الدعوة لمكافحة الفساد، إلى الدعوة لاقتلاع رموزه من مؤسسات الدولة والحكم، وتطهيرها من عناصره، ومحاكمة ناهبي المال العام وتبديد ثروات البلاد الغنية بالنفط والغاز والمعادن، وهي إجراءات بات الجيش يتخذها تباعاً، بعد أن أكد قادته أنهم ماضون في الاستجابة للمطالب الشعبية، وأنهم يمتلكون العزم لإرساء القواعد نحو التطور الديموقراطي.

لا يجب أن يغيب عن حصافة الحراك الشعبي السلمي المستمر منذ نهاية فبراير الماضي، وحكمته، أن التشكيك في الجيش، لا يخدم الهدف الذي يسعون إليه، وهم من رفع شعار «الجيش والشعب أخوة» لكن المتربصين بالحراك والساعين لتوجيهه لصالح أهدافهم الخاصة لا يرون ذلك. بعض هؤلاء من بين أعضاء النظام السابق الذين يناوئون التغيير بكل السبل، وأكثرهم من الأحزاب الدينية، وفي القلب منها عناصر الجبهة الإسلامية للإنقاذ، النسخة الجزائرية من جماعة الإخوان.

وهؤلاء يمتطون يومياً وسائل الإعلام الأكثر تأثيراً، وينددون بما يسمونه «حكم العسكر» الذي يراهن على الوقت للإبقاء على النظام السابق، لأنه غير مدني وغير ديمقراطي، ويتمادون في المطالبة بإقالة الجنرال صالح بصفته من بقايا ذلك النظام، وهو مطلب لا يخدم إلا سيناريو الفوضى، الذي يمكن هؤلاء من الهيمنة وقيادة دفة الأمور!

خروج النظام السابق من المشهد نهائياً، ليس من الأمور اليسيرة، بل يحتاج وقتاً، ذلك أنه شيد مؤسسات راسخة للفساد، وشبكات لتبادل النفوذ والمصالح، والنهب المنظم لثروات الشعب الجزائري وإفقاره، على امتداد أكثر من عشرين عاما. والتشكيك في المؤسسة العسكرية، بهدف إقصائها من المشهد، لا يخدم سوى طرف وحيد هو الأحزاب المتطرفة وجماعة الإخوان في جبهة الإنقاذ، التي قادت حرباً أهلية دموية فيما عرف بـ«العشرية السوداء».

ولكي لا ننسى، فقد حققت جبهة الإنقاذ فوزاً ساحقاً، على حزب جبهة التحرير الحاكم في انتخابات البلديات والولايات في يونيو عام 1990، وكانت تجري للمرة الأولى في الجزائر، منذ استقلالها في ظل نظام التعدد الحزبي، فحصلت الإنقاذ على 54.25%من المقاعد.

بينما حصل الحزب الحاكم على 38.13% منها وما إن ظهرت تلك النتيجة، حتى أعلن قادتها أن الديمقراطية كافرة، وأن الجزائريين لم يصوتوا للديمقراطية، بل للشريعة، وأن الجبهة «هي ظل الله في الأرض» وأنها ليست حزباً كي تطرح برنامجاً سياسياً لأن برنامجها هو القرآن !

هذا الفوز شكل إعلاناً بفشل جبهة التحرير التي انفردت بحكم الجزائر منذ عام 1962، في تحقيق أهداف التحرر الوطني والتنمية الاقتصادية، برغم الغنى الذي تحظى به البلاد من الثروات الطبيعية بما أكد للجزائريين أن مشاكلهم الاقتصادية لا ترجع لضعف الموارد، بل لسوء استغلالها. وخلال عام من استيلائها على حكم البلديات، فشلت جبهة الإنقاذ في إصلاح أحوالها، واقتصر حكمها على إشباع الجزائريين وعظاً، بدلاً من إشباعهم خبزاً.

وانحصر نشاطها في الولايات التي سيطرت عليها، في وقف بيع الخمور، ومنع النساء من السباحة، وعقد محاكمات ليلية في المساجد لمعاقبة النساء السافرات، وفصل الفتيات عن الشباب في المدارس والجامعات، وإلغاء الاختلاط في المواصلات العامة، ومنع حفلات الغناء والموسيقى. وحين لاح فيما بعد أنها لن تحظى بفوز مماثل في الانتخابات العامة، بعد أن فقد الجزائريون الثقة في حكمها، أخذت في التصعيد والتحريض ضد الجيش ومؤسسة الرئاسة كما تفعل الآن.

ودعا قادتها لاستقالة الشاذلي بن جديد، وارتدوا الملابس العسكرية وهددوا «بإنزال جيش مجاهدين إلى الشوارع لإعلان الجزائر دولة إسلامية دون تصويت» وروعوا أجهزة الأمن بذبح أحد عناصرها علناً وإلقائه في الشارع، وامتطوا منابر المساجد ليعلنوا أن الديمقراطية كفر، فضلاً عن اغتيالها لفنانين ومثقفين وكتاب ممن كانوا يعارضونها.

وكما هي العادة دخل المرشد الإيراني على الخط ليعلن دعمه لمطالبها لتدخل الجزائر عقداً من الإرهاب، لم يكن وارداً التخلص منه بدون قوة المؤسسة العسكرية.

والسؤال المنطقي الذي يفرض نفسه، ما الذي يمكن أن يحمي الجزائر من تلك القوى المضادة للتغيير؟ والجواب المؤكد هو وعي الشعب الجزائري وقدرته على تطويق الفخاخ التي تنصب له.

 

* رئيسة تحرير جريدة «الأهالي» المصرية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات