حديث الغد

بعد زيارتي لمدينة دبي مؤخراً بعد سنوات من غياب، كتبت عنها باعتبارها مدينة المستقبل. وفي العادة فإن «حديث الغد» يكون دوماً عن التقدم التكنولوجي وكيف جرى تطبيقه في المطارات وأجهزة الأمن وتحقيق السيولة في الطرق وإبهار الإعلانات وتحلية المياه وهكذا أمور.

لكن الحقيقة هي أن في الأمر ما هو أكثر لأنه أولاً له علاقة بالزمن الذي هو مفاعل «التغيير» الأول، وحين قيل إن الإنسان لا ينزل في ذات النهر مرتين، يعود إلى أنه في كل لحظة زمنية تأتي مياه جديدة عند سريان النهر من المنبع إلى المصب. المفاعل الآخر هو الإنسان ذاته الذي يتكيف مع المتغيرات ويصير في حالة أخرى تختلف عما كان عليها من قبل إما نتيجة الانتقال من مرحلة عمرية إلى أخرى، أو نتيجة تغييرات بيولوجية بسبب متغيرات في داخله أو في خارجه.

والنتيجة دوماً هي أن للإنسان فعلاً أو رد فعل يقوم هو الآخر بالمساهمة في عمليات التغيير الجارية. المسألة هكذا هي أن تناول ما سوف يأتي لا يعني فقط إدراكه والتفاعل معه، وإنما يدفع في اتجاه تكوين اللغة التي تفك شفرات العمليات «التاريخية» التي تجري وتبدو بسيطة في مظهرها.

ولكنها في تراكمها تحقق انقلابات نوعية في حياة البشر. ويصبح السؤال هو هل أعددنا أنفسنا للتعامل مع ما هو مستقبل؟ في معظم أفلام الخيال العلمي التي يسافر فيها البشر إلى كوكب بعيد فإن المشكلة الأولى التي تواجههم هي كيف يخاطبون ما سوف يجدوا من مخلوقات.

السفر في الزمن إلى الأمام يصنع نفس المعضلة؛ وعندما جاء إلى «القاهرة» خبر أن وزارة دولة الإمارات الشقيقة سوف تتولى أمراً جديداً على وزارات العالم يتمثل في «قهر المستحيل» لم تقل المفاجأة هذه المرة عما كانت عندما أنشئت وزارة للتسامح، وأخرى للسعادة؛ وكان السؤال كيف سيكون العيش في دنيا لا يوجد فيها المستحيلات؟

يقال دائماً إن البحث عن الذهب أمر، وصناعة الذهب أمر آخر، والاتفاق بين الخلق هو أن الأمر الثاني هو الإشكالية الأكبر والأصعب لأنه في الأولى يكون البحث عما هو معروف ومحدد السمات والتركيب، أما في الثانية فإن الإنسان يدخل فوراً بالذوق والثقافة وباختصار الاختيار.

ومثل ذلك ينطبق على كل ما سبق، فاختيار التكنولوجيات المناسبة، والتطبيقات الملائمة تستدعي «الحكمة» التي هي حسن الاختيار، وهي القادرة على وزن الأمور، وتقدير المسافات والأزمنة. الشائع هو أن الآلة تدريجياً سوف تحل محل الإنسان، وأنه هكذا فإن «الروبوت» سوف يقوم لأول مرة في تاريخ البشرية بأعمال البشر.

وهناك من يقول، منتشياً أو غاضباً، أن حالة البطالة في العالم سوف تتفاقم لأن العمل لم يعد يحتاج أكثر من «الجوريثم» أو برنامج الحركة أو نظام العمل الذي يجعل السيارة تسير دون سائق، وإذا كان ذلك جائزاً فلماذا لا يصدق ذلك على الطائرة والسفينة أيضاً؟ المدافعون عن الإنسان يقولون إنه مهما كان هناك تقدم تكنولوجي في بناء «الروبوت» فإنه لا يمكنه أن يحتوي على إطار فلسفي أو منظومة أخلاقية، وفي كل الأحوال فإنه لن يستطيع رسم لوحة فنية عظيمة مثل بيكاسو، أو وضع قطعة موسيقية مثل موزارت

الحقيقة هي أنه ليس كل البشر مثل بيكاسو أو موزارت أو أينشتين أو هيجل، فهؤلاء استثناءات لا تتكرر كثيراً، والسياسات العامة من تعليم وتربية وإعداد للمستقبل وهي تحاول التطلع إلى العباقرة فإنها تركز فعلياً على الجمع العام الذي يدخل صباح مساء إلى العمل في المؤسسات العامة والخاصة.

فهل يكون الإعداد للغد قائماً على نظامين واحداً للخاصة كما اعتادت فرنسا أن تفعل في مدارس إعداد النخبة السياسية؛ والآخر لبقية الخلق؛ أم أن ما اعتاد عليه العالم هو أن العباقرة جاءوا أصلاً من خلال السباق والتنافس بين الجموع الغفيرة؟

هي عملية أشبه بالاختيار الطبيعي الذي يقوم بعمليات التصنيف ليس فقط بين البقاء والزوال، وإنما بين العاملين والمجتهدين والمبدعين. كل ذلك يطرح علينا جميعاً السؤال: ترى ما هي الثقافة المناسبة لهذا المستقبل، وعلى ماذا نحافظ مما لدينا الآن، وما الذي يجب أن يذهب إلى غير رجعة؟!، تلك هي المسألة!

* كاتب ومحلل سياسي واقتصادي

abdelmonemsaidaly@gmail.com

طباعة Email
تعليقات

تعليقات