منطق الإسلاموفوبيا

هل آن أوان التفكر ملياً والبحث جدياً فيما فعلنا بالأديان على وجه الأرض؟ هل حان وقت إعادة التدبير ومعاودة التخطيط لحياتنا في ظل الأديان وتصرفاتنا في كنف العقائد والمعتقدات؟ هل لنا أن نتوقف لحظة وننظر برهة للأخبار اليومية التي ترد إلينا وتفاصيل الحياة اليومية التي تتواتر على رؤوسنا والتي لو قُدِر لها أن تتحدث ستقول لنا «كفى تشويهاً للدين»؟

الدين ـ أي دين - هو مجموعة من الأسس والمبادئ التي تهدف إلى تنظيم وتيسير حياة الإنسان على وجه الأرض. وبعيداً عن الاختلافات في تفاصيل المعتقدات، وطقوس العبادات، يظل الدين إطاراً للتنظيم ونبراساً للتيسير دون فوضى أو إخلال بقواعد الحق والخير. وحين تشذ مجموعة بتفسيراتها أو تخرج جماعة عن المألوف والمفروض، فإنها تلحق الكثير من الضرر لمن ينتمون لهذا الدين حلوهم بمرهم.

مرارة ما يحدث هذه الآونة من تعد على دور العبادة ـ مساجد وكنائس - ونثر لبذور الكراهية، ونشر لأفكار مغلوطة عن الدين لا سيما الإسلامي يشعر بها الجميع. وتجذير مفهوم الدين باعتباره عسراً وتضييقاً ورفضاً للآخرين وقتلاً للمختلفين من قبل جماعات ما أنزل الله بها من سلطان، تٌرِكت على مدى عقود طويلة لترعى وتترعرع في بلدان عدة يجني الجميع ثماره المسمومة هذه الآونة.

فمن رياح قالوا إنها ربيعية ثم انقلبت خريفية شتوية ممطرة بفعل ركوب موجة التغيير من قبل جماعات تصف نفسها بأنها تمثل الدين الحق، إلى عصابات فاقت المافيا الإيطالية دهاءً والـ«براتفا» الروسية فساداً والـ«ياكوزا» اليابانية إجراماً تقول عن نفسها إنها جاءت لإقامة الدولة الإسلامية، إلى قواعد شعبية انضحك على قلوبها باسم الدين وقٌضي على عقولها تحت مسمى نيل الشهادة والفوز بالجنة، يجد العالم العربي نفسه بين شقي رحا.

شق التلاعب بالدين باسم جماعات المصالح، وشق التلاعب بالمنطقة باسم الحرية والديمقراطية التي تدفع بها قوى غربية عدة، حيث الظاهر حق وبديهيات حقوق الإنسان والباطن خراب ودمار تآمراً على العديد من دول المنطقة. لكن العالم بشكله العجيب الحالي يلعب لعبة أدهى من ألعاب القوة، وأخطر من توازنات الاستعمار العسكري والاستحواذ الثقافي والإخضاع الاقتصادي.

إنها لعبة أن نأكل أنفسنا بأنفسنا، وهي أشبه بالمرض المسمى Autophagia، أو ما يسمى بـ«اضطراب التهام الذات»، حيث يبدأ المريض بالتهام أجزاء من جسده دون أن يشعر. وليس هناك أفضل أو أذكى أو أمهر من جماعات أخذت على عاتقها مهمة احتكار الدين والهيمنة على التفسير واستلاب عقول القواعد الشعبية لدفع دول وشعوب وأمم بأكملها لتقضي على نفسها بنفسها.

نفس ما حدث في المساجد التي نالها التفخيخ والتفجير باسم الدين حدث في كنائس نالها القدر نفسه من الضحايا والدماء والخراب، وكله باسم الدين الذي وٌجِد في الأساس للتنظيم والتيسير لا للتعسير.

السنوات القليلة الماضية، وتحديداً منذ عام 2013، أتاحت لبعضنا فرصة ذهبية للتطهير الذاتي والتنظيف الشخصي وإعادة البناء على أسس متينة خالية من الشوائب الفكرية والملوثات الثقافية التي تتذرع بالدين وتتحجج بالشرائع وهي منه بريئة. لم يحدث في تاريخ المنطقة الحديث أن أتيحت لها مثل هذه الفرصة لتواجه نفسها، وتصحح مسارها، وتنقذ دينها وأديان الآخرين.

آخرون في هذا العالم ينتفعون نفعاً شديداً ويفتئتون على ما يجري في العالم من تنامٍ لظاهرة كراهية الإسلام والخوف منه والتربص به أو ما يسمى بالـ«إسلاموفوبيا» التي يحاول البعض منا إنكار وجودها من الأصل، ويتعجب البعض الآخر من تملك هذه المشاعر السلبية من البعض من غير المسلمين تجاه الإسلام. لكن، وبصراحة شديدة، فإن الصورة المصدرة للإسلام لغير المسلمين، والعمليات التي تجري هنا وهناك من تفجير مساجد وتفخيخ كنائس وارتداء أحزمة ناسفة وتفجيرها بحاملها وسط الجموع وعمليات الطعن والدهس والقتل تحت راية رفعة الإسلام ونصرة المسلمين وغيرها، كفيلة بخلق مئة «إسلاموفوبيا» وليست إسلاموفوبيا واحدة.

واجب الوسطيين والمتلاقين فكرياً والمتسامحين فعلياً والمتفاهمين عربياً أن يواجهوا الشق الخاص بهم فيما يختص بالإسلاموفوبيا. فبين محاولات تلقى الكثير من المقاومة لتجديد الخطاب، وجهود إقليمية للإصرار على الدفع نحو مزيد من القاع، وأخرى دولية لتحقيق المصالح وترسيم الخرائط، يمضي الوسطيون قدماً لتطهير الدين وتنقية القلب وصقل الصورة.

لم يعد الأمر يسمح بتصديق ما يثار حول كون الانتماء لجماعات إرهابية تفتئت على الدين دافعه الهروب من الفقر أو التمسك بتلابيب أمل مفقود بفعل القهر والظلم وانعدام الفرص. ولنا في اثنين من انتحاريي تفجيرات سريلانكا الأخيرة عبرة، فهما ابنا مليونير لا ينقصه المال أو الجاه أو المكانة الاجتماعية أو الاقتصادية. مواجهة الإسلاموفوبيا تبدأ بالاعتراف بأن جانباً منها مفهوم ومنطقي، ومن ثم وجب التطهير وحان وقت استعادة الدين من أدعيائه.

* كاتبة صحافية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات