الأوروبيون وصفقة القرن. أسئلة مشروعة

انفض سامر الانتخابات النيابية في إسرائيل، بعد أن أعاد إنتاج نسخة مزيدة وشديدة التطرف من نخب الحكم والسياسة، الموصوفة باليمين الديني والعلماني بزعامة بنيامين نتنياهو.

ومن الآن وحتى إشعار آخر، سوف يصبح الفلسطينيون ويمسون على الوجوه الصهيونية نفسها؛ التي طالما انشغلت بانتهاك حقوقهم وتصفيتها، ووضع العصي في دواليب التسوية السياسية خلال ربع القرن الماضي.

في يوم الانتخابات، أظهر المصوتون الإسرائيليون قدراً كبيراً من التسامح مع انتهاكات كثيرة، اقترفها نتنياهو بحق قوانينهم ونظمهم وقيمهم الداخلية.

لقد أعرضوا عن ذلك، ووضعوا نصب أعينهم فقط أنه رجل المرحلة في التعامل مع هموم الخارج بكل مستوياته الفلسطينية والعربية والإقليمية والدولية.

ومن المرجح أن هدايا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إسرائيل، وأثمنها الاعتراف بسيادتها على كل من القدس وهضبة الجولان، وإيثاره لتقديمها عبر صديقه الصدوق نتنياهو، ساهمت في الشفاعة للأخير ومنحه بعض صكوك الغفران الشعبي.

وفي كل حال حقق الشريكان ترامب ونتنياهو مراداتهما من هذه الجولة الانتخابية، وذلك إلى الحد الذي يحار فيه أصحاب المسرح الصهيوني الإسرائيلي، حول أي الرجلين يستحق لقب البطولة الأولي.

ولأن الوعود الأمريكية الموصولة بحديث «صفقة القرن»، رهنت إعلانها وكشف كل محتوياتها على الملأ بانتهاء المشهد الانتخابي في إسرائيل، فقد أصبح كل المعنيين بصدد اللقاء مع هذه الصفقة بين يوم وآخر.

لكن ما يلفت الانتباه، أن الالتزام بهذا الموعد يتساوى مع النكث به أو تأجيله. فعطفاً على ما بات معلوماً من المواقف والقرارات والخطوات العملية؛ التي اتخذتها إدارة ترامب بشأن أكثر أبعاد الصراع الصهيوني العربي والقضية الفلسطينية خلافية وسخونة، فقدت الصفقة عنصر الدهشة، وما عاد طرف من المعنيين مشغولاً كثيراً بتحري ما ظل خافياً من مضامينها. اللهم باستثناء بعض التفصيلات والمفردات؛ التي لن يعلو كعبها عما أفصحت عنه السياسة الأمريكية بالفعل.

نود القول إن توجهات الصفقة لم تعد سراً مكنوناً. تصرفات إدارة ترامب وسياساتها الإسرائيلية والعربية بعامة والفلسطينية بخاصة، أمست كافية تماماً للتكهن شبه اليقيني بمعالمها.

وبالنظر إلى حساسيتهم لمصير قضيتهم وكونهم أكثر المتضررين مما ظهر وما بطن من هذه الصفقة، فقد اصطف الفلسطينيون في طليعة الرافضين لها، حتى انهم قاطعوا ترامب وإدارته. وللإنصاف، فإنه باستثناء إسرائيل، يكاد الفواعل الإقليميون والدوليون جميعهم؛ في جهات الدنيا الأربع، يشاركون السياسة الفلسطينية في التأبط شراً.

يعنينا هنا من هذه المعطيات، التذكير بمقاربة الأوروبيين للمسألة. فهؤلاء القوم؛ وهم الأقرب إلى واشنطن والأكثر حميمية في ارتباطاتهم متعددة الأبعاد معها، وكذا مع إسرائيل، يستشعرون الأخطار التي تنطوي عليها صفقة ترامب العجيبة.

ومؤخراً ترجموا مشاعرهم وتحفظاتهم في وثيقة غير رسمية أصدرها مسؤولون سابقون منهم، دعوا فيها إلى «رفض خطة ترامب أحادية الجانب مالم تكن عادلة في حق الفلسطينيين، وجددوا تفضيلهم لحل الدولتين، بما في ذلك اعتبار القدس عاصمة لكل منهما. كما انتقدوا الابتعاد عن ثوابت السياسة الأمريكية السابقة».

أيضا، لامست الوثيقة عصباً أوروبياً عارياً حين أشارت إلى أن «لامبالاة واشنطن تجاه التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، وقطع المساعدات المخصصة للفلسطينيين، مقامرة بأمن واستقرار الدول الواقعة على عتبة أوروبا». هذه إضاءة قوية على إدراك الصلة بين الأمن الأوروبي، وبين حيثيات التسوية النهائية لقضية فلسطين.

السؤال والحال كذلك، إلى من توجه هذه الوثيقة نصيحتها بـ«رفض الصفقة الأمريكية مالم تكن عادلة»؟!.

فالفلسطينيون رفضوا الصفقة بالفعل منذ كانت جنيناً في بطن سياسة ترامب الشرق أوسطية. وطالما أن هذا الموقف لا يتعارض مع رأي معظم، إن لم يكن كل، القوى الدولية رفيعة المقام بمن فيهم الأوروبيون أنفسهم، الذين لم تتفضل واشنطن باستشارتهم حول خطتها العتيدة، فلماذا يدع هؤلاء الأقوياء عبء الرفض ليقع على عاتق الفلسطينيين وحدهم؟!.

أوليس لديهم علم بحجم هذا العبء حقوقياً واقتصادياً ومالياً، وبالطبع سياسياً ؟!. ألا يملك الأوروبيون وبقية الممتعضين أوراقاً يضغطون بها على إدارة متنمرة في واشنطن، ودولة عاصية اسمها إسرائيل، أقله مراعاة وصيانة لضوابط القوانين والتنظيمات الدولية؟!
الشاهد أن الصمود الفلسطيني في وجه الصفقة ورعاتها، بحاجة ماسة إلى مقومات منظورة عملية وغير كلامية، تردفه وتشد ظهره وأزره.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات