رؤية الثقب الأسود.. حدث القرن

قليلة هي الأحداث التي تهز العالم كله هزات إيجابية تحظى بإعجاب وترحيب الجميع من غير تحفظ، إنها الفتوحات العلمية والتكنولوجية المتميزة جداً والنقلات الكبرى التي تبهر الإنسان، وتقربه نحو آفاق التفهم الأفضل للكون وللحياة ولفلسفتهما.قبل أيام معدودات وتحديداً في العاشر من أبريل الجاري وقف العالم كله مبهوراً أمام حدث علمي من نوع خاص جداً، حيث أميط اللثام في واشنطن وفي خمس مدن أخرى حول العالم وفي وقت واحد عن إنجاز فائق الأهمية وهو الحصول على أول صورة على الإطلاق لثقب أسود، في أقوى دليل حتى الآن على وجود هذا الكائن الكوني الذي أسر خيال العلماء وخلب ألبابهم على مدى قرن كامل منذ تنبأت النظرية النسبية العامة لآينشتاين عام 1915 بإمكانية وجوده وفق الحلول لمعادلاتها التي أجراها عالم الفيزياء النظرية الألماني شوارزشيليد ووفق الإضافات الحديثة لعالم الفيزياء النظرية البريطاني ستيفن هاوكنغ الذي رحل مؤخراً عن خصائص هذه الكائنات، التي تبعث ما أطلق عليه إشعاعات هاوكنغ.

فبعد أن استمع علماء الفيزياء الكونية في عام (2016) لأصوات الثقوب السوداء حين تمكنوا من رصد الموجات الجاذبية الناتجة عن تصادم واندماج اثنتين منهما ارتفع سقف طموحاتهم ليصل مستوى التخطيط لرؤية إحداها، حيث بدأ فريق دولي من هؤلاء العلماء يربو عدده على المئتين من عشرات الدول ضمن مشروع دولي أطلق عليه مسمى «مرصد أفق الحدث» سعيه الحثيث نحو تحقيق ذلك. فقد تم زيادة عدد المراصد الراديوية في الشبكة التي استحدثت عام 2012 لتصل إلى ثمانية مراصد موزعة على قمم الجبال أو المرتفعات في أربع قارات في دول متعددة من ضمنها إسبانيا وتشيلي والقطب الجنوبي وهاواي وغرينلاند والولايات المتحدة لتعمل كمرصد كبير جداً، حيث وجهت جميعاً نحو واحد من أكبر الثقوب السوداء في قلب المجرة (ام 87) القريبة من مجرتنا والذي يبعد عنا مسافة تزيد على خمسين مليون سنة ضوئية.

يقول (هينيو فالكه) أستاذ الفيزياء الفلكية في جامعة رادبود الهولندية وأحد العلماء الذين اقترحوا هذا البرنامج وقام بدور كبير مع زملائه في إنضاجه، يقول لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) واصفاً هذا الثقب الأسود بأن حجمه يفوق حجم كامل منظومتنا الشمسية وأن كتلته تزيد على ستة بلايين مرة قدر كتلة الشمس.

هذا الجرم السماوي لا يمكن رصده لأنه غير مرئي بل يمكن من حيث المبدأ رصد «أفق الحدث» وهو مصطلح للتعبير عن الحاجز الفضائي الذي يفصل ما بداخل الثقب الأسود الذي لا يمكن رؤيته عن بقية الكون، إذ لا ينبعث عن هذا الداخل أي شيء بسبب شدة الجاذبية التي تأسر كل شيء وبضمنها الضوء نفسه.

عملية الرصد ليست بالمهمة السهلة والسالكة بل تتعلق إلى حد بعيد بالظروف التي تتيح لهذا المرصد رؤية الثقب الأسود في كبد السماء وسط التحركات المكانية المعقدة جداً التي تجري في الأرض وفي منظومتنا الشمسية وفي المنظومات الشمسية الأخرى الهائلة العدد في مجرتنا. وقد حصل المرصد على فرصته في أبريل 2017 في الفترة الواقعة بين الخامس والرابع عشر منه حيث جمعت كميات هائلة من البيانات في المواقع الثمانية، لتبدأ بعد ذلك عملية مكثفة فائقة التعقيد لمعالجتها استغرقت سنتين من أجل بناء صورة عالية الدقة للثقب الأسود.

جرت عملية الرصد عن طريق استلام الذبذبات الراديوية القصيرة جداً في الطيف الكهرومغناطيسي ذات الطول الموجي المليمتري، فالسديم المتوهج المكون من الغبار والغازات الذي يحيط بأفق الحدث لا يسمح بمرور الذبذبات الأخرى في الطيف وهو ما خدم عملية الرصد لأنه عند هذا الطول الموجي يصبح الغلاف الهوائي المحيط بالأرض شفافاً تقريباً. وكان من حسن الحظ أن تقنيات الرصد وطرائق الكشف عن هذه الموجات الراديوية القصيرة جداً وتكنولوجيا المعلومات الخاصة بالتعامل مع بياناتها قد تطورت كثيراً خلال العقود الأخيرة من السنين.

النجاح الذي تكللت به هذه التجربة الطموحة والجريئة له العديد من الدلالات ذات الأهمية القصوى لعل أبرزها تعزيز الثقة بقدرات الإنسان على تحقيق المزيد من الفتوحات الكبرى عبر منهجه العلمي في الحوار مع الكون ومع الحياة، وتعزيز القناعة في الوقت نفسه بأن السبيل الوحيد لتحقيق ذلك، يكمن في توظيف النوايا الحسنة للمؤسسات العلمية في جميع أنحاء العالم لأنه ليس لقدرات بلد واحد مهما بلغت من تطور الاضطلاع بمهام التصدي لذلك.

* كاتب عراقي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات