«زميلنا» الذكاء الصناعي!

جمعني حوار شائق ومذهل مع روبوت يتحدث بتقنية الذكاء الصناعي. كان ذلك «الإنسان الآلي» يتمتع بحس دعابة وأدب جم في الرد على أسئلتنا، ويجيد ببلاغة عالية اللغتين العربية والإنجليزية. اقترب منه زميلي في منصة شركة اتصالات في منتدى الإعلام العربي.

وقال: هل عرفتني؟ فحدق الروبوت في عيني السائل وكأنه يتأمله، وسط ترقب حشد من الناس. شعرت أنه مسح في لحظة محركات البحث، بحثاً عن الصور المشابهة، ثم قَرَّبَ «الجهاز» رأسه، فرفع له الزميل هويته. هنا ظهر صوت هدير خافت يشبه الآلة التي تسترجع ذاكرتها، فقال له: أنت فلان الفلاني! فصفق له الجميع بذهول. باختصار قرأ اسمه العربي ورحب به.

فتح لي هذا الحوار الطويل آفاقاً لم أكن أتصورها عن مستقبل هذه التقنية، وكيف أنها ستكون معينة لنا في بيئات العمل، إذا أحسنا تزويدها بأطنان من المعلومات.

تذكرت هذا الموقف، عندما قرأت أخيراً، عن تمكن العلماء من إنشاء منظومة ذكاء صناعي، استطاعت أن تنجح في تقييم مستوى العنف في «سيناريوهات» الأفلام، الأمر الذي يتوقع أن يسهم في تسهيل مهمة المنتجين والمخرجين وكتاب السيناريو، في تحديد درجة تصنيف الأعمال السينمائية التي يقدمونها مستقبلاً. وذلك بناء على قاعدة بيانات تحتوي على 732 فيلماً سينمائياً.

وهذه التقنية التي طورها علماء من جامعة جنوب كاليفورنيا المرموقة، تعد الأولى من نوعها في استخدامات تقنيات تفسير اللغة في تحديد درجات العنف في النصوص. تلك التقنية، ربما لن تسر بعض مؤلفي الكتب العربية، لأنها تبحث آلياً في «النص»، فتفاقم أزمة الشكوى من مقص الرقيب.

وحتى في عالم الأفلام، جرى العرف أن تبحث الرقابة عن «اللقطات»، أو ما يسمى بالمشاهد المخلة بالآداب العامة، أو الأعيرة النارية، أو المشاهد المخضبة بالدماء، غير أن تقنية الذكاء الصناعي، صارت ترصد بسهولة ميل النص أو ابتعاده عن معايير التصنيف أو الرقابة.

تخيل، كيف يمكن أن يكون مستقبل من يقرأ لزملائنا كُتّاب الأعمدة، فهل يمكن أن نطلب مستقبلاً من «زميلنا» الذكاء الصناعي، أن يلبي «مزاجنا اليوم» بالبحث عن مقالات جادة، أو ساخرة، أو موضوعية، بمجرد مسح ملايين النصوص المخزنة في ذاكرته.

ولا أتوقع أن يكون ذلك مستحيلاً، ففي الوقت الراهن، هناك مواقع للتدقيق اللغوي، تسأل الفرد إلكترونياً هل تريد لنصك هذا أن يكون علمياً، أو موضوعياً، أو عاطفياً، ثم يمنح النص نسبة مئوية عن مدى قربه أو بعده عن هذه المعايير. ويقترح مرادفات أو بدائل للعبارة.

كل شيء ممكن في عالم الذكاء الصناعي، إذا أحسنا تغذيته بمعلومات هائلة. وهذا هو لب التسابق المحموم بين المؤسسات، نحو محاولة جمع أكبر عدد ممكن من البيانات، لتنتقي منها «ماكينة الذكاء»، ما يلائم المطلوب منها تقديمه للبشر.

وقد سألنا ذلك الإنسان الآلي في دبي: هل ستكون يوماً ما أذكي منا؟ فقال: كيف أصبح أذكى منك، وأنت الذي صنعتني. هزتني هذه العبارة، وقلت في نفسي: سبحان الله العظيم.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات