مؤامرة تحريض البنات على الهروب من الوطن

لا تنقطع مؤامرات المتآمرين على الوطن العربي، للإخلال بأمنه واستقراره، وإسقاط دوله ومؤسساته، وتضييع شبابه وشاباته، تارة باسم التطرف والإرهاب والشعارات الدينية المتشددة، وتارة باسم الحقوق والحريات والأفكار التحررية، التي تقوم كلها على تغذية العقول بأجندات تنزع ولاء الفرد من وطنه وأسرته، وتجعله فريسة لكل جهة معادية تريد استقطابه لأهدافها الخاصة.

ومن هذه المؤامرات، تلك الحملات الممنهجة لتحريض الفتاة العربية على الهروب من أسرتها ووطنها، واللجوء إلى جهات ومنظمات ذات أهداف ومطامع، لتكون سلعة يُتاجَر بها في أغراض سياسية ومخططات إجرامية.

وقد سلكت المنظمات الإرهابية هذا المسلك، فحاولت استقطاب العنصر النسائي، والتغرير بالفتيات، عبر دعايات مضللة، تهدف إلى استغلال عاطفتهن الدينية، وإيهامهن بأن تنظيم داعش هو النموذج الذي سيوفر لهن حقوقهن، ويتيح لهن البيئة المثالية، فانخدعت بذلك من انخدعت، وانتقلت إلى مناطق الصراع، لتقع فريسة هذه المنظمات الإرهابية، وتصبح سجينة في جحيم مستعر، وها هي الأيام قد دارت، وأصبح كثير من الهاربات اليوم يستعطفن للرجوع إلى بلدانهن، بعد أن اكتوين بنيران الإرهاب والتطرف.

ومن الوسائل التي اتبعتها هذه التنظيمات للتغرير بالفتيات، تشويه صورة أسرهن ومجتمعاتهن وأوطانهن، وتغذيتهن بالغلو في نقد الواقع، وسوء تصويره، والعزلة الشعورية عن المجتمع، وتنمية روح الكراهية والانتقام في نفوسهن تجاه مجتمعاتهن ودولهن، وفي المقابل، رسم صورة خيالية مزيفة عن هذه التنظيمات، وأنها توفر لهن الملاذ البديل، ما حدا ببعضهن إلى الجري وراء هذا السراب في صحراء قاحلة لا ترحم.

ومع أفول تنظيم داعش البائد، وانكشاف زيفه للقاصي والداني، وُضعت مخططات جديدة للتغرير بالفتيات، وزرع الكراهية لديهن تجاه أسرهن ومجتمعاتهن وأوطانهن، وتحريضهن على الهروب، باستنساخ نفس الوسائل الداعشية، ولكن بأفكار وشعارات مختلفة، وهذه المرة باسم الحقوق والحريات والأفكار التحررية.

فكثَّفت بعض المنظمات وأجهزة الإعلام، جهودها لتغذية هذا الملف، وهو ملف تحريض الفتيات العربيات على الهروب من أوطانهن، وأكملت مسيرة تشويه المجتمعات العربية، ولكن بدلاً من استخدام مصطلحات الجاهلية والردة والتكفير والتفسيق، قامت باستخدام مصطلحات الاضطهاد والرجعية والظلامية والتخلف.

ولم يقتصر ذلك على مستوى تشويه الدول والحكومات فقط، بل شمل أيضاً تشويه الشعوب العربية، فتم تشويه صورة الأسرة العربية، وخاصة صورة الأب والأخ، ونشر انطباع بأن فتيات الوطن العربي مضطهدات، وأن التعنيف والضرب والإهانة سمة للأسرة العربية، وفي المقابل، إظهار بعض المجتمعات الأخرى بأنها مجتمعات مثالية، وأنها جنة الباحثات عن الحرية، في تدليس ساقط وتشويه هابط.

وقد بلغ الانحطاط والدناءة ببعض القنوات الإعلامية المأجورة، إلى حد استهداف الفتيات القاصرات، وفبركة سيناريوهات وفيديوهات بغرض تحريضهن على جرائم السرقة والتحايل على الأنظمة، والهروب والعقوق للأسرة والوطن، في خرق لجميع القوانين والأعراف الدولية والإنسانية، ما يدل على أن هذه الجهات لا تتورع عن استهداف الأطفال والقاصرين، ذكوراً وإناثاً، وتشجيعهم على ارتكاب الجرائم، واستخدام الإعلام بقصد التأثير فيهم وإقناعهم بارتكاب الأفعال المخالفة للقانون، وقد فعلوا مثل ذلك عندما حرضوا الشباب والشابات على التطرف والإرهاب، وشجعوهم على الإضرار بأسرهم وأوطانهم، وها هم يعيدون الأمر نفسه بطرق لا تقل خسة ودناءة، وهكذا يفعل الفجور في الخصومة بأهله، فلا خلق ولا مروءة تردع، بل إفلاس أخلاقي وإعلامي وسياسي.

وإن هذه الحملات الممنهجة المغرضة ضد المجتمعات والأسر العربية، وضد الأطفال والقُصَّر والشباب والشابات، هي حملات فاشلة، ستتحطم على صخور الوعي واليقظة، وسيبقى الترابط الأسري عنوان المجتمعات المتحضرة، مهما حاولت المنظمات المسيسة والإعلام المأجور كسر ذلك، وستبقى الفتاة العربية شامخة بيقظتها ووعيها، وانتمائها لأسرتها ووطنها.

ومن واجب المفكرين والمثقفين، أن يكونوا حكماء نابهين في أفكارهم وأطروحاتهم، ويقدموا للعالم نماذج حضارية راقية في مجال الحقوق والحريات، ويكونوا منافسين أقوياء في سوق البناء الحضاري، ولا يكونوا مجرد أدوات لاستنساخ تجارب الآخرين، وجلد الذات، وترسيخ الشعور بعقدة النقص، بل يكونوا جسور تواصل بنَّاء لنقل الرسالة الحضارية المتميزة للمجتمعات العربية والإسلامية، التي لها تراثها الغني، وقدرتها الخاصة على التميز والابتكار في أي مجال كان.

وأقول للفتاة المغرر بها: لقد تركت عائلتك ووطنك، وألقيت بنفسك إلى مصير مجهول، وإلى أيادٍ لا تتورع عن استخدامك كأداة للضغط على دولتك، والتدخل في شؤونها، والاستعداء ضدها، لتصبحي مجرد ورقة يتاجر بها كل جهة معادية، فأي فائدة جنيتِها من ذلك؟! وإذا أوهموك بأنك ستجدين مكاناً تعيشين فيه بحرية مطلقة، دون أي قيد ولا ضابط، فقد خدعوك بذلك، فما من دولة على وجه الأرض، إلا ولها قوانين وأنظمة ستتقيدين بها، شئت أم أبيت، وما من مجتمع إلا وله ثقافاته وعاداته، وإن لك في الفتيات العربيات الواعيات قدوة حسنة، في اعتزازهن بأسرهن وأوطانهن، وفي إسهاماتهن الثقافية وإنجازاتهن الحضارية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات