انتخابات الكنيست.. لا تنتظروا مفاجآت

يدخل الصهاينة والإسرائيليون في زمرة أكثر الناس جدلاً. من المرويات الشعبية الهزلية الشائعة أنه إذا تجادل اثنان من الصهاينة في غرفة مغلقة، فقد يخرجان وقد شكلا ثلاثة أحزاب.

ويقال أيضاً إنك ما لم تكن على دراية كافية بتفاصيل التفاصيل في قضية خلافية تخصك وإياهم، ولم تكن صبوراً طويل النفس، خبيراً بالمراوغة والخداع وليّ الكلم عن مواضعه، فلا تقعد معهم مقاعد التفاوض أو التناظر أو الحوار.

هذا الود المتصل بين الصهاينة وبين خصال اللغو وابتداع الروايات والمساومة، أحد أسباب كثرة الأحزاب والقوى والجماعات السياسية داخل إسرائيل.

ويعزو البعض هذه الكثرة أيضاً، المحسوبة على مفهوم التعددية السياسية المفرطة في دولة لا يزيد سكانها من اليهود عن سبعة ملايين نسمة، إلى طبيعة مكوناتها من المستوطنين المستجلبين من سياقات إنسانية وحضارية متباينة، تغطي شتى بقاع المعمورة، وعليه آثر مصممو النظام السياسي الإسرائيلي إفساح المجال لإرضاء نوازع الجماعات كافة، بما يحول دون تمرد بعضهم أو المروق والتحليق بعيداً عن السرب.

نود القول بأن التحزب وتناسل القوى السياسية وانتشارها كالفطر ظاهرة لا تخطئها عين المتابع للعملية السياسية في إسرائيل، لكن ما يعنينا أكثر هنا هو تلاقي كل هذه الكينونات، إلا النزر اليسير غير الفعّال منها، على ثوابت بعينها تتعلق بالتعامل مع ملف تسوية الصراع مع العرب، ولا سيما القضية الفلسطينية.. ثوابت يصح الاعتقاد بأنها أفلتت نسبياً من براثن التعارض والتنابذ والتكاسر الحزبي الشهير هناك.

لنا أن نلحظ في هذا الإطار كيف أن حكومة ليفي أشكول، التي بادرت بعدوان العام 1967، قد ثبتت الخطوط العريضة لما يمكن أن يؤول إليه هذا الملف: رفض العودة إلي حدود الهدنة لعام 1949، إجراء مفاوضات صلح مباشرة وثنائية مع الدول العربية قبل الحديث عن أي انسحاب، الحدود الآمنة لإسرائيل تقع في «مكان ما» بين مواقع الجيش الإسرائيلي في نهاية حرب1967 وخطوط الهدنة، مدينة القدس بشطريها تتبع إسرائيل إلى الأبد، مرتفعات الجولان جزء من أرض إسرائيل ينبغي ضمها إليها، الأراضي القابلة للتفاوض هي فقط صحراء سيناء ومنطقة قناة السويس، ضم أقسام من الضفة لإسرائيل.

لأكثر من خمسين عاماً، جرت مياه كثيرة في نهر الصراع، بين حالات القتال واللاسلم واللاحرب وأحاديث السلام والتسوية، وتوالى على سدة الحكم والسياسة كثير من الحكومات بين عهدي أشكول ونتنياهو، بمشاركة معظم ألوان الطيف السياسي من الموصوفين بالصقور والحمائم والغربان والمختلطة من هؤلاء جميعاً، وتغيرت موازين شعبيتهم بالزيادة والنقصان.

وفي الوقت ذاته، انزوت أيديولوجيات ونظم وذهبت ريحها لصالح أخرى في الدائرتين الإقليمية والدولية، واعترى العربَ والفلسطينيين ما اعتراهم، حتى صاروا بين معاهد لإسرائيل وبين منتظر تحت سقف المبادرة العربية للسلام منذ العام 2002، ومع ذلك كله، ظل الإسرائيليون عاكفين على ثوابتهم ورؤاهم وكأنها مقدسات لا يأتيها الباطل.

من المدهش حقاً أن جيل الناخبين الإسرائيليين في أبريل الجاري عليه أن يفاضل بين أحزاب وقوى متنافسة، لا تختلف برامجها ومواقفها عما عرفه جيل الآباء خلال نصف قرن وزيادة.

هناك اليوم أكثر من خمسة عشر حزباً وائتلافاً حزبياً تكاد تلتقي جميعها على برنامج التسوية الذي دشنه أشكول وجماعة المنتشين معه بانتصار 1967.

ورب قائل بأن بعض المتنافسين على كعكة الكنيست المقبل، مثل حزب ميرتس (فضلاً عن أحزاب فلسطينيي 1948) تشذ عن هذا التصور، كونها تدعو إلى إنهاء الاحتلال والاستيطان، وتؤيد حل الدولتين، بيد أن هذا الاستثناء ليس سوى صوت يزعق في برية ولا يكاد يبين وسط صخب الأغلبية من الصهاينة الأقحاح.

ليس لعاقل أن يأمل في تحول جارف درامي في السياسات الإسرائيلية تجاه التسوية بشقيها الفلسطيني والعربي.

الأرجح أن يعيد الناخبون إنتاج نخبة حكم لا تختلف عن حكومة نتنياهو وبطانته من أهل اليمين الديني والعلماني، وربما تم تجديد الثقة في نتنياهو نفسه لرئاسة الوزارة المقبلة.

ولا يقدح في هذا التشوف أن الرجل يقع راهناً تحت مطارق المساءلة، عن أفعال يجرّمها القانون الإسرائيلي، ذلك أن فرصة إفلاته من العقاب لا تقل عن فرص إدانته، لا سيما أنه يفاخر بإنجازات يدعي أنها تحققت بجهده وفي عهده، أبرزها الاعتراف الأمريكي بالسيادة الإسرائيلية المطلقة والمنفردة على كل من القدس ومرتفعات الجولان، وإشعال فتنة التطبيع العربي مع إسرائيل بمعزل عن مصير التسوية السياسية واستحقاقاتها فلسطينياً وعربياً.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات