قنبلة الشبكة النووية

تكاد لا تخلو فعالية دولية، أو منتدى إقليمي، أو مؤتمر محلي، أو حتى جلسة عائلية هذه الأيام من حديث أو نقاش أو تحذير مما يمكن أن تفعله الشبكة العنكبوتية بحياة مستخدميها ومصائرهم. راحت فورة الإعجاب الأولى ويوفوريا الوله الاستهلالية بعالم الإنترنت وغياهبه المدهشة، وحان موعد التوقف عند ما أصاب العالم من إدمان، وما ضربه من عنف، وما لحق به من تغييب العقل، وما يموج في جنباته من حوادث انتحار ناجمة عن تنمر إلكتروني هنا أو قتل مسلوب الإرادة هناك بسبب لعبة افتراضية أو دعوة عنكبوتية.الشبكة العنكبوتية لم تعد ذلك الابتكار الأعظم في تاريخ البشرية، كما توقفت عن كونها وسيلة تمكين الشعوب الأفضل، ومنصة التعبير عن الآراء الأصوب، ووسيلة القاصي والداني لاكتساب المعرفة والوصول للمعلومة وتنمية المدارك وتحقيق المعرفة.

هي من دون شك ابتكار مذهل، وبدون أدنى تفكير، ما زالت تمثل ذلك العالم الذي فتح أبوابه على مصاريعها، وأتاح المحتوى نفسه من دون تفرقة أمام الجميع بدون حساب أو سابق معرفة، لكنها أيضاً أبلت العالم بقدر لا يستهان به من العنف والتحريض عليه، والاستقطاب بدءاً بصناعته مروراً بتغذيته وانتهاء بصيانته. وهي قربت المسافات للدرجة التي جعلت للمظلومين في الكونغو متعاطفين في الدومينيكان، ولانتحار شاب في الفلبين متابعين لتفاصيل الانتحار في إيطاليا، ولجماعة مجرمة كـ«داعش» مكتب توظيف أممياً على موقعها، ولمجزرة قتل عشرات المصلين في نيوزيلندا ملايين المشاهدين في أرجاء المعمورة.

أرجاء المعمورة تقف هذه الآونة وقفات متتالية مع النفس ومع غيرها، ولسان حالها يقول: إن الشبكة العنكبوتية ومنصاتها وتطبيقاتها قد تهدد حياة الملايين فكراً أو غسل دماغ أو تنمراً أو حثاً على قتل أو انتحاراً أو ترويجاً لعنف أو حضاً على كراهية أو بثاً لفكر مغلوط في ثوب مبهر مَحْبوك.

الحبكة الفكرية لمبتكري الشبكة العنكبوتية ومنصاتها وتطبيقاتها المختلفة لم تتوقع أو تتنبأ أو تتخيل ما قد يؤول إليه بعض استخدامات الشبكة وملحقاتها. وأغلب الظن أن مارك زوكربرغ حين طور موقعاً عنكبوتياً اسمه thefacebook.com في عام 2004 كونه نوعاً من تطوير سبل التواصل بين طلاب جامعة هارفارد، وهو الموقع الذي انتشر من هارفارد إلى غيرها من المؤسسات التعليمية ثم غزا الولايات المتحدة الأميركية ومنها إلى العالم ليصبح Facebook الذي يهيمن على حياتنا اليوم، لم يكن يدري أن تتضمن استخدامات ابتكاره سباً عقائدياً وكراهية اجتماعية وعنصرية مقيتة وحضاً على القتل والانتحار وتطويعاً لنتائج انتخابات وتوجهات استفتاءات.

كذلك الحال للثلاثي تشاد هيرلي وستيف تشين وجاود كريم الذين ابتكروا «يوتويب» لمشاهدة فيديوهات تتعلق باختيارات جانيت جاكسون السيئة في ارتداء الملابس وصعوبة تحميل فيديو لمجموعة من الأصدقاء تتناول العشاء على البريد الإلكتروني. وأغلب الظن أنهم لم يخططوا لجماعات مجرمة كداعش أو الإخوان أو أبناء عمومهما أن تستغل ابتكارهم لتصوير القتل والذبح وتدمير الدول وغسل الأدمغة وتدمير الأوطان، أو لأفراد لبث مقاطع بينما ينتحرون أو ينشرون الأفكار الهدامة أو يروّجون معتقدات تصيب الإنسانية في مقتل.

حتى جاك دورسي- أحد مبتكري «تويتر»- يقول إنه وزملاءه الذين ابتكروا هذه المنصة لم يفكروا لحظة في الآثار المستقبلية لـ«هذا الشيء». «هذا الشيء» بات يترك الفرصة لبضعة أفراد لتخليق «تريند» تتعامل معه كبرى مؤسسات الإعلام التي كان مشهوداً لها بالدقة والحيادية والموضوعية وكأنه توجه عام لشعب بأكمله، أو لميليشيا إلكترونية لكتابة تغريدة تطالب بإسقاط نظام هنا، أو إشعال ثورة هناك، ثم تنتشر انتشاراً فيروسياً ليحكي عنها العالم ويتحاكى باعتبارها رغبة مليونية أو ثورة بليونية.

اليوم، راحت السكرة وحانت الفكرة، والفكرة التي يتداولها المهتمون بإنقاذ البشرية من براثن أشرار الشبكة العنكبوتية، وترشيد الاستخدام السيئ على منصاتها، أو بشكل أدق توعية وتعليم وتدريب المستخدمين على كيفية التعامل الحكيم مع هذا المحيط المعرفي، الذي يحمل أطناناً من الإدراك والمنفعة والدراية والمصلحة والمنفعة، كما يحمل أطناناً مماثلة من الرعونة والحماقة والضلالة.

وخير من البكاء على لبن عدم توقع أو تصور الاستخدامات القاتلة للشبكة العنكبوتية المسكوب، أو تبادل إلقاء اللوم على من منا يتحمل الخطأ أكثر، هل هم مبتكرو المنصات ومبدعو التطبيقات وموفرو الخدمات أم هم من سمحوا لهم بغزو العالم من تحت عقب الباب، أو تكحيل المشكلة بإصابتها بالعمى بدلاً من علاجها، وذلك عبر قرارات المنع والحجب والمصادرة على عقلاء المستخدمين- أفراداً ومؤسسات وحكومات- العمل على التوعية والتقنين والترشيد وتحكيم العقل وتدريب النشء على كيفية التفرقة بين الحق والباطل، والواقع والافتراض.

والحقيقة أن ما من فعالية أو منتدى أو مؤتمر تعقد في الإمارات العربية المتحدة على مدى العقد والنصف الماضيين، إلا وتطرقت إلى طبيعة الشبكة وحقيقة المنصات، طارحة الرؤى والحلول والبدائل وتعظيم الفائدة وتقزيم المضرة، وربما نقي العالم شر أن تتحول الشبكة العنكبوتية إلى قنبلة نووية جديدة.

* كاتبة صحفية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات