هدايا متبادلة بين ترامب ونتنياهو

حدثان مهمان تزامنا أخيراً وأعلن عنهما في واشنطن، أولهما صدور تقرير المحقق الخاص روبرت مولر الذي برأ فيه حملة الرئيس ترامب الانتخابية لعام 2016 من التهمة الخطيرة التي لاحقتها على مدى عامين بالتواطؤ مع روسيا، وثانيهما إعلان الرئيس الأمريكي ترامب اعتراف بلاده بالسيادة الإسرائيلية على هضبة الجولان السورية عند لقائه رئيس الوزراء الإسرائيلي في زيارته الأخيرة لواشنطن، متجاهلاً حقيقة أن هضبة الجولان ليست عقاراً أمريكياً يستطيع التبرع به.

يأتي إعلان ترامب هذا كثاني أكبر هدية أمريكية تقدم لإسرائيل، أو بالأحرى ثاني أكبر شعلة لتأجيج حرائق الشرق الأوسط، في عهده بعد الهدية الأولى التي اعتبر فيها القدس عاصمة لدولة إسرائيل وقرر في ضوء ذلك نقل سفارة بلاده إليها.

هضبة الجولان مرتفعات تمتد على مسافة 74 كم لا يتجاوز عرضها عن 27 كم بمساحة إجمالية تقرب من 1300 كم مربع احتلت إسرائيل ثلثيها في حرب 1967، وهي مرتفعات ذات أهمية جغرافية استراتيجية، فهي إضافة إلى إطلالتها على سوريا شرقاً وعلى إسرائيل غرباً تطل كذلك على لبنان شمالاً وعلى الأردن جنوباً.

الاعتراف الأمريكي بالسيادة الإسرائيلية على هذه الهضبة أكبر كثيراً من مجرد إضفاء الشرعية على استحواذ دولة وبالقوة على أراضي دولة أخرى، مبدأ سبق للولايات المتحدة أن أدانته ونددت به وفرضت عقوبات على روسيا، حين أقدمت على احتلال شبه جزيرة القرم، وأعلنت عن ضمها إليها.

فهذا الخرق الفاضح للمبادئ الدولية بمثابة انقلاب صريح على الأمم المتحدة ورفع لسقف الاستهانة بها وبقراراتها، وهو ما سيخلق الكثير من التعقيدات السياسية والقانونية والحقوقية في مناطق أخرى من العالم حيث توجد العشرات من الخلافات والتجاوزات الحدودية. فالرئيس ترامب سبق أن أبدى في مناسبات عديدة ما من شأنه الحط من شأن هذه المنظمة الدولية، حيث وصفها بعد فوزه بالرئاسة عام 2016 بأنها «ناد لتمضية الوقت».

هذا الإعلان لا يخدم مصالح الولايات المتحدة بل يسيء بشكل بالغ لسمعتها، فهي الدولة التي قدمت نفسها للعالم منذ نشأتها داعية ومنادية بمبادئ وقيم الحرية والمساواة وحقوق الإنسان، وكان لها دور ريادي في صياغة ميثاق الأمم المتحدة، ولعبت ولا تزال دوراً قيادياً في رسم مسارات معظم القضايا على المستوى الدولي، وهو من ناحية أخرى لا يخدم مصالح إسرائيل على المدى البعيد لأنه يضعف من فرص السلام مع جيرانها ويبقيها في حالة تحسّب وتشنّج وقلق.

إلا أنه من جانب آخر يخدم المصالح الشخصية الرئاسية الآنية لكل من ترامب ونتنياهو، فالأول ينظر بقلق للانتخابات الرئاسية القادمة في 2020 مع تصاعد دور الحزب الديمقراطي، ويشعر بالحاجة الماسة إلى حماية ودعم اللوبي الصهيوني لمواجهة ذلك، أما الثاني فهو يتحسب بقلق أشد لانتخابات الكنيست القريبة حيث لا تشير الاستطلاعات الأخيرة إلى ما يطمئن حزب الليكود الذي يتزعمه وسط العديد من تهم الفساد التي تلاحقه.

لن يغير إعلان الرئيس ترامب من واقع الحال في الجولان المحتلة منذ اثنتي وخمسين سنة ولا في الشرق الأوسط المكتظ بالأزمات، فهو لم يحظ بالترحيب سوى من قبل إسرائيل وقوبل بالرفض والاستنكار من قبل جميع الدول ومن قبل الكيانات الكبيرة كمنظمة الأمم المتحدة والاتحاد الأوربي والجامعة العربية وروسيا والصين.. نكتفي فقط بذكر ما ورد بشأنه على لسان الأمين العام للأمم المتحدة غوتيريس «إن موقف الأمم المتحدة وموقفي شخصياً ثابت ومعروف، ويستند إلى قرارات الشرعية الدولية التي نصت صراحة على أن الجولان هي أرض عربية سورية تحتلها إسرائيل».

وقد سبق للأمم المتحدة أن أصدرت القرار 242 بدعوة إسرائيل للانسحاب من جميع الأراضي التي احتلت في حرب 1967 بما في ذلك مرتفعات الجولان وغزة والضفة الغربية وسيناء، قرار لم تلتزم به إسرائيل.

في ضوء ذلك، ليس من المتوقع أن يكون لإعلان الرئيس ترامب هذا تأثيرات تذكر على مآلات الموقف الدولي من الصراع العربي الإسرائيلي خاصة لم يعد لهذا الصراع مرجعية عربية واحدة وانفصلت ملفاته وتفرقت بين دول عدة.

على المحور السوري ذي العلاقة المباشرة قد يكون مفيداً لإسرائيل كورقة ضاغطة قوية في مفاوضات مع دمشق لاحقاً حين تستقر التوازنات السياسية القلقة جداً في المنطقة ومع إسرائيل بالذات على وضع يسمح بذلك.

 كاتب عراقي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات