«إعلان تونس» والواقعية السياسية

لا يخالجني شك في أن «إعلان تونس» الصادر في ختام الدورة الثلاثين للقمة العربية، قد حقق أهدافاً استراتيجية عدة، وتعاطى بواقعية كبيرة مع الكثير من الملفات المطروحة للنقاش على الساحة العربية، ولذا، فإنني أعتبر أن من يحاولون التقليل من نتائج هذه القمة ينتمون إلى فئات متعددة، كل حسب أغراضه وأهوائه، وأبرزهم، برأيي، شريحة تروج لأفكار وبدائل لا علاقة لها بالعمل السياسي والدبلوماسي المتعارف عليه، والأخرى تتاجر بالقضايا العربية، وتوظفها سياسياً لتحقيق مصالحها، وبالتالي، فلن ترضيها أي نصوص أو بيانات أو بنود، مهما رفعت من شعارات أو أعلنت من قرارات!

وإذا كنا ننظر إلى مردود القمة العربية من زاوية سياسية بحتة، سنجد أنها قد حققت أهدافاً عدة، منها إحياء الأسس والثوابت التي تأسست بموجبها جامعة الدول العربية، وهي الأسس التي تراجع تأثيرها بفعل الخلافات العربية ـ العربية، وتغريد البعض خارج السرب، والاستقواء بقوى إقليمية للنيل من الجار العربي الأقرب، فضلاً عن تفشي المليشيات الطائفية والمذهبية وتنظيمات الإرهاب التي تنخر في الجسد العربي المنهك منذ سنوات مضت، لذا، فإن إحياء الثوابت يبدو مهماً للغاية، ومن هنا، أستطيع أن أقرأ أهمية التأكيد على المسؤولية العربية المشتركة للنهوض بأوضاع المنطقة العربية، وتعزيز التضامن بين دولها.

ومن أهم الثوابت التي يبرزها «إعلان تونس»، هو التأكيد على أن «ما يجمع البلدان والشعوب العربية أكثر بكثير ممّا يفرّقها، بفضل قوّة الروابط الحضارية العريقة والتاريخ والمصير المشترك، وعرى الأخوة ووحدة الثقافة والمصالح المشتركة، وأنّ استمرار الخلافات والصراعات في المنطقة، ساهم في استنزاف الكثير من الطاقات والإمكانات العربية، وتسبب في إضعاف التضامن العربي، وأثّر في الأمن القومي العربي، كما أتاح التدخل في شؤون المنطقة.

كما أنّه من غير المقبول، استمرار الوضع الراهن، الذي حوّل المنطقة العربية إلى ساحات للصراعات الدولية والإقليمية والنزاعات المذهبية والطائفية، وملاذات للتنظيمات الإرهابية التي تهدد الأمن والاستقرار والتنمية في بلداننا»، وهذا البند الذي تصدر البيان الختامي، هو نص مهم للغاية، لأنه يحدد الثوابت والمنطلقات، ويشخص الإشكاليات، وصولاً إلى وضع البدائل والتصورات التي وردت في فقرة تالية، تشدد على أن تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة العربية، يستوجب تكثيف الجهود لإنهاء كافة أشكال التوترات والصراعات، والتركيز على أسباب الوهن ومظاهر التشتت، فضلاً عن التأكيد على أن المصالحة الوطنية والعربية، تمثل «نقطة البداية الضرورية لتعزيز مناعة المنطقة العربية وأمنها واستقرارها، وتحصينها ضدّ التدخلات الخارجية».

يمنح هذا البند، ضوءاً أخضر من القادة للجامعة العربية، كي تبدأ مهمة قديمة جديدة وصعبة للغاية، بالسعي للتوصل إلى تسويات وحلول للإشكاليات القائمة، باعتبار ذلك مدخلاً مهماً لإغلاق الثغرات القائمة في جدران البيت العربي، التي ينفذ منها كل تدخل إقليمي، وفي مقدم ذلك، يمكن أن يأتي وضع سوريا داخل الجامعة، فسوريا دولة عربية محورية، وهناك تباين لا يزال قائماً حول عودتها للجامعة العربية، واستعادة مقعدها في مؤسسة، هي أحد أركانها، يمكن أن يعزز الجهود الهادفة إلى حماية وحدة سوريا، والحفاظ على تماسك أراضيها، وتحقيق الاستقرار، وفتح الباب لعودة ملايين اللاجئين السوريين، وبالتالي، فإن معالجة هذا الملف في إطار التوافق العربي ـ العربي، يمثل خطوة مهمة للوصول إلى مبتغى قمة تونس.

الحقيقة أن الكرة ليست كلها في ملعب الدول العربية بالنسبة لموضوع سوريا، فهناك جزء كبير منها في ملعب النظام السوري، الذي ينبغي عليه أن يعترف بما ارتكب من أخطاء بحق شعبه، وأن يعمل على استعادة وحدة السوريين في الداخل والخارج، بقدر حماسه وحرصه على التواصل والتنسيق مع الجانب الإيراني، وعليه أن يتذكر جيداً أن مؤسسة العمل الجماعي العربي، تبقى أقوى حاضنة استراتيجية للموقف السوري بشأن هضبة الجولان المحتلة، وأن المغامرة بمواصلة الاستقواء بإيران في هذا الملف، يمثل رهاناً خاسراً بمقدماته وعناوينه التي لا يمكن الوصول من خلالها إلى أي نتائج إيجابية على المدى البعيد.

الحقيقة أيضاً، أن القمة اضطلعت بواجباتها القومية من منظور الواقعية السياسية، وقدمت الدعم القوى للقضايا العربية ذات الأولوية، انطلاقاً من استشعار لمسؤوليات القادة القومية، ومن ثم فإن الإسراع بتسوية الأزمات في ليبيا واليمن وسوريا، قد يكون مدخلاً مهماً لدور عربي جماعي في التصدي للأطماع التوسعية الإيرانية والتركية، التي أشار إليها الأمين العام للجامعة، أحمد أبو الغيط، في كلمته، فالأطماع انطلقت من ظروف معينة، ومعالجة هذه الظروف، قد تسهم بقوة في القضاء على كثير من أسباب الأطماع والمؤامرات التي تقتات على أزمات العرب وظروفهم.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات