التاريخ الجديد لحرب 1948

منذ قرابة سنة والفلسطينيون يتظاهرون في غزة فيما يعرف بمسيرات العودة إلى فلسطين. وكان التاريخ الرسمي لإسرائيل يدّعي دائماً بأن الفلسطينيين نزحوا من أراضيهم بتحريض من الدول العربية التي وعدت الفلسطينيين بانتصار سريع ضد الكيان الصهيوني حينها يتسنى للفلسطينيين الرجوع إلى أراضيهم بعد القضاء على الكيان المغتصب.

وقد كان السرد الإسرائيلي يحظى بقبول عالمي وخاصة في الغرب بل وأيضا بين كثير من العرب والفلسطينيين.

ويستنتج من هذه الرواية أن مشكلة اللاجئين الفلسطينيين مسؤول عنها الدول العربية وليست إسرائيل طالما حضت الفلسطينيين بالخروج من وطنهم.

وتضيف الرواية أيضا أن ما حصل في حرب 1948 كان طبيعياً، وهو نفس الحالة حين انقسمت الهند وباكستان في العام 1947، وحصل تبادل سكاني بين الهند وباكستان حيث رحل المسلمون من الهند باتجاه باكستان، وقام الهندوس بالهجرة من مكان سكناهم في باكستان إلى الهند.

وكانت الرواية العربية مناقضة للتاريخ الرسمي لإسرائيل، حيث يقول الفلسطينيون إنهم هجروا بقوة السلاح وتحت تهديد المذابح التي سقط ضحيتها كثير من الفلسطينيين مثل مذبحة دير ياسين. وقد اضطر الفلسطينيون إلى النزوح صوب الدول العربية لحماية أرواحهم وعائلاتهم.

وما لفت نظري بالنسبة لهذا الموضوع، بالإضافة إلى مسيرات العودة على حدود غزة مع إسرائيل، قصة نشرتها الصحيفة الإسرائيلية واسعة الانتشار «هآرتس» في 15مارس 2019. والقصة تتكلم عن وفاة قائد سرية في الهاغانا (الجيش الإسرائيلي لاحقاً) في حرب 1948 اسمه شمول لهس.

وكان لهس مشاركاً في عملية حيرام لاحتلال الجليل الأعلى الذي كان مخصصاً للدولة العربية الفلسطينية وفق قرار التقسيم. وقد امتد القتال إلى عدة قرى بما فيها قرى لبنانية.

وقد اتصل لهس هذا -حسب ما جاء في تقرير الجريدة الإسرائيلية- بنائب قائد الكتيبة وأبلغه أن القرية اللبنانية حولا قد استسلمت من دون قتال ومعظم سكانها فروا من ديارهم. وأضاف أن هناك حوالي 35 شخصا بقوا في القرية، وقد تم احتجازهم في مبنى. ثم سأل لهس «هل تريد ترحيلهم»؟

ذهب نائب قائد الكتيبة لسؤال القيادة العامة عن الموضوع. وقد ذهب في اليوم التالي للقرية ليطّلع على الأمر بنفسه. ووجد الجنود شاحبي الوجوه، وسأل «أين المساجين»؟ وقيل له إن قائد السرية أطلق عليهم الرصاص وقتلهم جميعاً. ثم فجر عليهم المبنى ليكون لهم مقبرة جماعية. وتقول التقديرات إن ما بين 34 و58 قتلوا في المذبحة.

ويقول الراوي بأنه لم يتخيل أن شخصاً مثل لهس ممكن أن يقتل سجناء بدم بارد. وقد ادعى لهس انه كان ينتقم لقتل أصدقائه في حيفا.

وقد كشفت الجريدة نفسها سابقاً عن رسالة سرية بعث بها ديفيد بن غوريون إلى رئيس وزراء إسرائيل يطلب فيها طرد عشرة آلاف فلسطيني معظمهم من المسيحيين في شمال فلسطين بعد انتهاء حرب 1948 بستة أشهر.

وكان بن غوريون يرى في الفلسطينيين طابوراً خامساً، وأن أي شخص يعتقد غير ذلك فهو ساذج. ويرى أن وجودهم يهدد الدولة، وعليه يجب إنهاء هذا التواجد في الدولة اليهودية. وقد وضع بن غوريون كل التجمعات العربية تحت الحكم العسكري.

واعترض موشى شاريت، وزير الخارجية والرجل الثاني في حزب الماباي (العمل لاحقا)، على الطرد وطالب بأن تمنح الجنسية الإسرائيلية لكافة الفلسطينيين الذين بقوا بعد تهجير معظمهم إلى الدول العربية المجاورة.

وقد تضمن هذا الملف رسالة من وزير الأقليات بخور-شالوم شيطريت مكونة من 8 صفحات حول الأقلية العربية في الدولة العبرية. ويتحدث هذا التقرير المعنون «الأقليات في دولة إسرائيل» عن نهب ممتلكات السكان العرب من قبل الجيش والمدنيين وخرق لاتفاقات الاستسلام، ويضيف التقرير أن الرغبة الجامحة للنهب قد سلب لب جنود الجيش الإسرائيلي.

ولم ينفك قادة إسرائيل، وخاصة بن غوريون، من محاولات التطهير العرقي ضد الفلسطينيين حتى بعد أن تثبتت أركان الدولة. ففي مقالة أخرى لنفس الجريدة هآرتس (13 أكتوبر 2018) كشفت عن موضوع في غاية الحساسية. فقد كان بن غوريون مهووساً بما يسمى المثلث العربي الذي يضم عدة تجمعات للسكان العرب الأصليين.

ففي العام 1956، ومع الاستعدادات لحرب السويس التي اشترك فيها كل من فرنسا وبريطانيا وإسرائيل، وضع بن غوريون «خطة الشامة». وكانت الخطة تتصور في حالة اشتعال الحرب ضد مصر، فإن الأردن ستتدخل ويستغلها الإسرائيليون كذريعة لطرد العرب في هذا المثلث عبر الأسلوب القديم بإقامة المذابح كما حصل في حرب 1948.

وقد أصدرت الأوامر إلى أحد القادة العسكريين بإطلاق النار على كل من يكون خارج منزله في بلدة كفر قاسم بعد ساعة حظر التجول. وعندما سأله القائد ماذا سيفعل إذا كان الأشخاص لا يعلمون بالحظر ويصلون بعد ساعات فرضه. رد عليه بالعربية «الله يرحمه».

وفعلاً حصلت المجزرة الشهيرة مع بداية الحملة العسكرية على مصر، وأردي 49 شخصاً قتيلا، منهم الأطفال والشيوخ في كفر قاسم. وقدم هؤلاء العسكريين إلى محاكمة صورية، ولم تنفذ فيهم الأحكام. بل إن القائد المتورط في المذبحة غرم ما يعادل عشرة فلوس لخرقه أموراً إجرائية.

العبرة من كل ذلك هو أن العرب، والفلسطينيين بالذات، سيدخلون في مفاوضات مع دولة أسست وتوسعت بسياسات عنيفة. ويجب أن يكون هذا التاريخ نصب أعين المفاوضين.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات