00
إكسبو 2020 دبي اليوم

كوكب أكثر لطفاً

ت + ت - الحجم الطبيعي

بين الذابح والمذبوح أفكار مشوهة، وعقول ممحية، وضغائن ما أنزل الله بها من سلطان، وبين كليهما يدور العالم في دوائر مفرغة قوامها جنون وإطارها خبل.

العنصرية والعنجهية والفوقية وكراهية الآخر بغض النظر عن الأسباب سمات عرفتها البشرية منذ آلاف السنوات، لكن أن تعرف البشرية العنصرية، وتمر بمراحل هي الأسوأ والأسود في تاريخها، بسبب مجموعات من المخابيل، التي تتصور أنها قادرة على فرض نوع واحد وهيمنة شكل واحد على الكوكب شيء، وأن تسلم نفسها وتغمض عينيها وتصم أذنيها حتى لا تؤذي مشاعرها بمشهد سكان الأرض وهم يتقاتلون ويتصارعون على الهوية والديانة والمعتقد شيء آخر.

وآخر ما كان يحتاجه الكوكب الذي لم يتعاف بعد من آثار «داعش» وأفعالها الدموية الحمقاء ومنهجها السوداوي الأخرق هو أن يبزغ نجم جماعات أو أفراد لا تقل عنها في الخبل أوتفرق عنها في الخرف.

وعلى الرغم من أن الغالبية تتأوه وتتألم وتشجب وتندد كلما فجر أحدهم نفسه، أو فخخ آخرين، أو أطلق النيران على مصلين، أو أي من الأفعال التي نستيقظ على إيقاعها وننام على وقعها على مدار عقود وصلت أقصاها منذ بزوغ نجم داعش وأبناء عمومها من الجماعات التي تدعي أنها دينية، لكنها في واقع الأمر إجرامية إرهابية، إلا أن الاقتتال مستمر ورفض الآخر يسير من سيئ إلى أسوأ.

وأسوأ ما في المشهد هو ذلك التبرير العجيب والتعليل المريب والتزيين القبيح لهذه الواقعة الشنعاء أو تلك المصيبة النكراء. وما إن وقعت جريمة «كرايستشيرش» الإرهابية في نيوزيلندا على رؤوسنا وقعة صادمة مربكة، حتى وقع ما هو أكثر صدمة وأعمق إرباكاً.

هذا الكم من رفض الآخر، وكراهية الاختلاف، وتبرير القتل والاقتتال، والتنقيب في أغوار التاريخ بحثاً عن حجة تبرر الانحراف الفكري أو شماعة يتم تعليق العوار الذهني عليها، فمن داقٍ على صفحة الحروب الصليبية في تاريخ الإنسانية، ناسباً كل مقيت وخبيث وكريه لما جرى في تلك الحروب من اعتداءات على أمة المسلمين، ومدافع بأن تلك الحروب لم تكن إلا دفاعاً عن بلاد تم غزوها ومعتقدات جرى تهميشها، وفريق ثالث منكر لكل ما فعلته جماعات الإسلام السياسي مؤكداً أن الصور الذهنية المترسخة في أذهان غير المسلمين عن الإسلام لا مبرر لها وكأن فظائع الدواعش وكوارث الإخوان وغيرهم خيالات وأوهام وغيرهم تفجر أثير صفحات مواقع التواصل الاجتماعي طعناً وخناقاً وسجالاً فجاً.

فجاجة الوضع الراهن - في ضوء الجريمة الإرهابية لإطلاق النيران على المصلين في نيوزيلندا - مقدر لها أن تستمر، أو تعيد طرح نفسها إن لم يكن غداً فبعد غد أو بعد بعد غد، لماذا؟ لأن أسباب وعوامل الكراهية موجودة، ولأن متطلبات الإشعال الذاتي متوافرة، ولأن مشاعر الكراهية ورفض الآخر متنامية، ولأن الجهود التي ظلت تُبذل على مدار العقود الماضية من تأسيس لحوار بين الأديان، وتواصل بين الحضارات، وتقارب بين الجنسيات لم تكن كافية أو موائِمة أو حتى قادرة على منافسة الجهود المبذولة على الضفة المقابلة.

على الضفة المقابلة، تُرِكت المشاعر القومية المتطرفة واليمين المتطرف في الغرب تنمو وتتوغل وتتوسع وتكسب أرضاً وتحقق نجاحات. وقد بدا ذلك واضحاً وضوح الشمس في نتائج انتخابات دول غربية عدة.

البعض يقول إن ذلك نتيجة طبيعية لميل إلى بزوغ نجم جماعات الإسلام السياسي المهووسة بالعنف والمتيمة بالتكفير والمعتنقة أفكار رفض الآخر وتحليل إقصائه وقتله، والبعض الآخر لا يرى في بلاد الإسلام والمسلمين إلا كل خير ونقاء وصفاء وسماحة ووسطية، حيث تصدير مسؤولية «داعش» وأخواتها إلى الغرب المتآمر الصانع لها، ورفض المساس بجماعات الإسلام السياسي الأخرى على اعتبار أنها جماعات «كيوت» وسطية لا تضر بل تفيد.

هؤلاء يرجعون حوادث العنف المتفرقة التي تقع من قبل اليمين المتطرف أو أشخاص كارهين للأجانب في بلادهم، سواء بسبب العرق أو المعتقد، لخوف شديد من الإسلام والمسلمين، وكراهية متوارثة لكليهما.

ولأن المشاعر محتقنة، والاتهامات متراشقة، فإن المتابع للمشهد لن يخرج بأي مؤشرات دالة أو تفسيرات ثاقبة، حيث المنطق متضائل وتعقل متقزم.

ما زالت الغالبية من أهالي بلادنا تفضل اللجوء أو الهجرة أو السفر لدول الغرب التي يشتكون من يمينها المتطرف، وما زالت جهود تجسير الهوات وسد الفجوات بين الحضارات والديانات محدودة وتقابل بالكثير من التجاهل أو الرفض.

وباستثناء مصر والإمارات والسعودية التي تبذل جهوداً متسارعة وتتخذ خطوات متلاحقة من أجل تجديد خطابنا الديني وتنقيحه مما شابه من آثار جماعات التطرف والتشدد، مع مد جسور التفاهم والاحترام المتبادل مع دول العالم الأخرى، ما زالت غالبية دول الكوكب تقف على أطراف أصابعها تحسباً لهجمة كراهية هنا أو عملية رفض هناك أو بذور فتنة وفرقة هنا وهناك.

ولو أيقن الجميع أن سكان الكوكب لم ولن يكونوا جميعاً نسخاً متطابقة من بعضهم البعض، من حيث الشكل أو اللون أو المعتقد أو غيره، وأن حساب العبد بينه وبين ربه، وأن الاختلاف نعمة، وأن المبارزة الساخنة الدائرة رحاها حول من بدأ بالتطرف، ومن أمعن في رفض الآخر أكثر، ومن له الحق في معاقبة الآخر بقتله أو ذبحه أو إقصائه، فسيكون الكوكب ألطف بكثير.

 

 

طباعة Email