الحلم الأمريكي بين الواقع والخيال

الفضيحة التي تفجرت مؤخراً حول الالتحاق بأفضل جامعات الولايات المتحدة سلطت الأضواء من جديد على جوهر «الحلم الأمريكي» وإمكانية تحقيقه على أرض الواقع.

فقد أعلن مكتب التحقيقات الفيدرالي الأسبوع الماضي عن نتائج تحقيق مكثف أجراه على مدى شهور طويلة وانتهى لإدانة عشرات من أولياء الأمور، منهم شخصيات أمريكية لامعة سعوا، عبر الرشوة، لإلحاق أبنائهم بأفضل جامعات الولايات المتحدة من تكساس وجنوب كاليفورنيا لييل وستانفورد. ليس ذلك فقط، بل سعى بعضهم لتزوير شهادات رياضية لأبنائهم.

بينما دفع بعضهم الآخر لمن يقوم، عبر الغش، على مساعدة الأبناء لاجتياز امتحانات القبول بتلك الجامعات. والعلاقة وثيقة بين مجريات الواقعة و«الحلم الأمريكي»، الذي هو أحد مقومات الثقافة السياسية الأمريكية. فلدى كل أمة ما تحب أن تردده عن نفسها من حكايات بل وأساطير وهي حكايات تساعد على تماسك الأمة وشعور أبنائها بالفخر الوطني.

وأمريكا ليست استثناء من تلك القاعدة. و«الحلم الأمريكي» هو أهم ما يردده الأمريكيون عن بلادهم. فهي، عندهم، أرض الأحلام التي رأى فيها توماس جيفرسون المكان الذي ينجح فيه المواطنون في سعيهم «من أجل تحقيق السعادة». أما تعبير «الحلم الأمريكي» تحديداً، فقد ظهر في بادئ الأمر في كتاب شهير، في ثلاثينات القرن الماضي، للكاتب والمؤرخ الأمريكي جيمس آدامز.

والمقصود به أن أمريكا، بسبب قيمها السياسية القائمة على الحرية والفردية، تمنح المواطن فيها القدرة على تحقيق أي شيء تصبو إليه نفسه بالمطلق، من الثروة والنجاح في حياته وإلى تحقيق السعادة له ولذويه. ويقوم الحلم الأمريكي في جوهره على تمكن الكل من صعود السلم الاجتماعي عبر وسيلة واحدة فقط هي قدرة الفرد على الإنجاز، عبر الجهد الشخصي والعمل الشاق والمثابر. وواقعة التزوير للالتحاق بجامعات القمة تسلط الأضواء من جديد على قيم «الحلم الأمريكي»، حيث إن الوصول لجامعات القمة لم يكن عبر جهد ولا تعب.

لكن القضية تذهب في الواقع لما هو أبعد من ذلك بكثير. فأهم ما يلفت الانتباه في الفضيحة لم يكن يتعلق بمحاولة النخبة الأمريكية الثرية شراء التميز لأبنائها دون وجه حق، وإنما الجديد حقاً لجوء هؤلاء لسبل تقع تحت طائلة القانون.

فليس جديدا أن تسعى النخبة الأمريكية لتمييز أبنائها وإنما الجديد هو لجوئها لوسائل غير قانونية رغم توافر وسائل قانونية تماماً طالما استخدمتها تلك النخبة لتمييز أبنائها عند الالتحاق بالجامعات بل وبأفضل الوظائف أيضاً.

ففي الوقت الذي وقع أولياء الأمور في تلك القصة تحت طائلة القانون، كونهم لجأوا للتزوير والرشاوى، إلا أن القاصي والداني بالولايات المتحدة يعلم أن تقديم هبات وتبرعات بالملايين لجامعة من جامعات القمة يمنح ولي الأمر ضماناً معقولاً لقبول أبنائه في تلك الجامعة، حتى لو لم تؤهلهم درجاتهم.

بل إن هناك ما يعرف بقوائم انتظار مخصصة لهؤلاء وحدهم. وفضلاً عن ذلك، يعرف القاصي والداني أن خريجي جامعات القمة يورثون مقاعدهم لأبنائهم من بعدهم حيث لهم الأولوية خصوصاً إذا كانوا من أصحاب النفوذ والسطوة في المجتمع الأمريكي.

غير أن هناك وسيلة أخرى لا تقل أهمية ولا تنتهك، هي الأخرى، القانون الأمريكي. فعملية التقدم لجامعات القمة الأمريكية صارت صناعة لها خبراؤها الذين يبيعون خبراتهم لمن يقدر قيمتها. والأسر من الطبقة الوسطى العليا التي لا تملك الملايين التي تدفعها كتبرع لإحدى الجامعات، يمكنها أن تدفع تكلفة استشارة أولئك الخبراء، الذين بإمكانهم توجيه الأطفال منذ الصغر لتنمية قدرات بعينها، بما فيها ممارسة ألعاب رياضية دون غيرها، تساعدهم عند التقدم للجامعات.

معنى ذلك أن النخبة الأمريكية قادرة على تحقيق «الحلم الأمريكي» لأبنائها نيابة عنهم، ودون أن يجتهد أولئك الأبناء بالضرورة أو يعتادوا العمل الشاق. فالنخبة قادرة على ضمان وقوف أبنائهم على قمة السلم الاجتماعي، ودون الحاجة لأي جهد لصعوده. وليس خافيا أن استحواذ النخبة الأمريكية على المقاعد لأبنائها خصوصاً في جامعات القمة يحرم قطاعات واسعة من الأمريكيين، وبالذات من الفقراء والأقليات، حتى لو كانوا أكثر تميزاً في القدرات والملكات من الحصول على فرصة مماثلة.

وهو ما يعيد إنتاج النخبة نفسها ويكرس الفجوة الواسعة في المجتمع الأمريكي بين النخبة وباقي قطاعات المجتمع. المفارقة الجديرة بالتأمل هي أن ذلك كله يحدث في مجتمع صار أقل قبولاً لبرامج العمل الإيجابي، التي تقوم في جوهرها على منح حصة من مقاعد الجامعات لأبناء الأقليات التي تعرضت تاريخياً للتمييز ضدها خصوصاً في التعليم، مثل السود.

وحجة من يرفضون تلك البرامج هي أنها لا تقوم على المساواة في الفرص وإنما تميز غير البيض دون وجه حق. وكأن المساواة في تلك الفرص متحققة أصلاً في مجتمع فيه كل تلك الاستثناءات المسكوت عنها والمخصصة للنخب.

* كاتبة مصرية

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات