قمة تونس وميلاد نظام عربي جديد

بدأت الأصوات العربية ذات النغمة المتفائلة ترتفع حول التوقعات المنتظرة من مخرجات القمة العربية المرتقب عقدها في تونس نهاية الشهر الحالي، وتركز تلك الأصوات على إعادة رسم العديد من المواقف السياسية العربية وتعديل بوصلتها بما يتناسب مع التطورات المعقدة الحاصلة في الإقليم والعالم.

هناك حالة من التجرؤ على الدول العربية من قبل دول الجوار الجغرافي بطريقة جعلت التحديات التي تحدثها متداخلة فيها بين السياسي والاقتصادي والأمني، أثرت بالتالي على التفاعل العربي البيني لمعالجة تلك التحديات والتقليل من آثارها السلبية،.

كما أنها أثرت في توازن العرب الاستراتيجي كنظام متكامل في مواجهة الأطماع الإقليمية، خاصة القادمة من ملالي النظام الإيراني في كل من اليمن ولبنان والعراق، ومن النظام التركي الذي يدعم «جماعة الإخوان المسلمين» وتدخلها السافر في سوريا، هذا بالإضافة إلى التحركات الدولية لإعادة ترتيب أوضاعها في المنطقة بما يتناسب واستراتيجيتها.

بما يعني أن كل القوى المتنافسة في المنطقة تتحرك في الفضاء العربي ويرتبون ملفاتهم بما يتناسب وطموحاتهم المستقبلية. يحدث ذلك كله في ظل غياب شبه كامل للنظام العربي إلا من ناحية تمعن العرب في الاختلافات السياسية والمكايدة التي تخدم المتنافسين بدلاً من الاحتشاد ورصّ الصفوف لوقف «رحالات» القادة الإيرانيين التي تبدو وكأنها رحلة داخلية في طهران عندما يقررون زيارة بعض الدول العربية مثل: العراق وسوريا، حتى أصبح القرار العربي في تلك الدول يصيغه ويقرره الحرس الثوري.

صحيح أن هناك أولويات لدى الدول العربية كل على حدة، وهذا طبيعي؛ لأنه جزء من الحسابات الدولية التي تملي على كل دولة تحقيق مصالح شعبها أو بما تعتقد ذلك، لكن الشيء الذي ينبغي عدم تجاهله هو التركيز على تقوية النظام العربي؛ لأنه دلالة على صلابة الموقف العربي في التعامل مع التهديدات الخارجية التي صار بعض العرب لا يجد حرجاً في أن تتلاعب بالداخل فيها، ما أدى إلى أنه لم يعد هناك حوار مشترك بين الدول العربية وأحياناً بين أبناء الدولة الواحدة إلا بالسلاح، مثل سوريا والعراق وليبيا.

الرغبة في عودة النظام العربي إلى فترة ما قبل عام 2012، رغم عدم قبوله بالكامل، له مبرراته لأن هناك تحركات دولية وإقليمية مقلقة ولا يمكن تبرئتها من المؤامرة على العالم العربي والسبب الرئيسي فيها حالة الاسترخاء لبعض الدول العربية أو لرغبة بعضها «التغريد» خارج السرب العربي ولا مانع أن تتطابق ذلك مع دول تمثل تهديداً للأمن العربي، على الأقل وقف حالة النزيف السياسي العربي في هذا القمة؛ لأن الأداء السياسي للآخرين يتركز بالرغبة في عدم الخروج من حالة إعادة ترتيب المنطقة دون فائدة.

يراهن الكثير من العرب في القمة القادمة على تحريك الموقف العربي ولو بنسبة قليلة من نواحٍ عدة منها مكان الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي الجيدة لدى باقي القادة العرب وإلى قبوله دولياً، وإلى رغبة الرأي العام العربي في عودة التضامن العربي؛ لأنه بوجوده لن تفكر على الأقل الدول المثيرة للشغب والفوضى أن تفكر بالتدخل في الشأن العربي وليس التمدد في دوله واحتلال أراضيها، وبلا شك أن الأداء السياسي السعودي والإماراتي، مع أنه يمثل أملاً سانحاً من عدة جوانب منها التحرك الفاعل والصلب تجاه الطموحات الخارجية وكذلك تجاه محاولات لمّ الشمل العربي، إلا أن ثقل الكتلة السياسية العربية كلها يبقى أهم، لذا كان التحرك الإماراتي نحو استعادة سوريا إلى الصف العربي من خلال إعادة افتتاح سفارتها.

واضح أن هناك فراغاً عربياً يحتاج معه إلى عودة تعبئته، ويبدو من التحركات العربية الحالية النية إلى استحضار عربي قوي لإعادة ترتيب البيت العربي بالكامل لتحقيق الأفضل، في محاولة لميلاد نظام عربي جديد يخاطب التهديدات الحالية وبما يمثل حدثاً عربياً استثنائياً لآمال العرب.

* كاتب إماراتي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات