نعمة تعطّل «فيسبوك»

ما جرى يوم الأربعاء الماضي يجب أن يخضع للبحث والتقصي والتحليل وجهود التفسير. الصدمة البشرية العاتية والغضبة الإنسانية العارمة التي ضربت الكوكب يجب أن يجذبا انتباه علماء النفس والاجتماع، واختصاصيي التكنولوجيا والرقمنة، ومعهما أطباء تخصصهم تشخيص الإدمان وعلاج الآثار. سويعات قليلة انقطع خلالها جزء كبير من سكان «فيسبوك» البالغ تعدادهم نحو ملياري شخص أدت إلى حالة من القلق والتوتر والخوف والسؤال الهستيري عما جرى.

جرت رياح «فيسبوك» بما لم يتوقعه ملايين المستخدمين الذين لم يعودوا مجرد مستخدمين، بل سكانًا مقيمين إقامة شبه كاملة، لدرجة أن البعض يدخل الحمام ويخلد إلى النوم ويستيقظ في منتصف الليل ويهرول إلى العمل بينما هو متصل ومتواصل وموصول بالفيسبوك.

هذه الإقامة الكاملة المتكاملة على متن «فيسبوك» على مدى ساعات النهار والليل، وهذا التوحّد الذي جرى بين الإنسان وهذه المنصة من منصات الشبكة العنكبوتية، وذلك الإغراق الذي قلب حياة ملايين البشر رأسًا على عقب بعد ما حل «فيسبوك» محل الأسرة، والأصدقاء، ودوائر العلاقات، وأوقات الرحلات والرياضة وحتى النوم كلها كشفت عن وجهها الحقيقي في يوم الأربعاء الدامي.

دام الانقطاع ساعات، لكن التوتر والقلق والخوف وغيرها من المشاعر السلبية التي اعترت الكوكب دامت أكثر من ذلك. وبين مخاوف الاختراق، وتسونامي التدوينات والصور وال«لايف» وال«لايك» وال«شير» التي تبددت في سماء العطل الأطول في تاريخ «فيسبوك» منذ الانقطاع الشهير الذي حدث في عام 2009، والذي لم يصب العالم بصدمة مثل تلك التي حدثت يوم الأربعاء الماضي، لا سيما وأن عدد مستخدمي «فيسبوك» في 2009 لم يكن قد تجاوز ال150 مليون مستخدم.

ملايين المستخدمين في شتى بقاع الأرض ممن لا يجمع بينهم في الأحوال العادية الكثير، بل ربما يقف الكثيرون منهم على أطراف نقيض بعضهم البعض فكريًا وثقافيًا وعقائديًا، وحدتهم الصدمة وجمعتهم الرهبة. إنها صدمة تبخر «فيسبوك» في هواء العنكبوت، ورهبة تبدد الواقع الافتراضي الذي أغرق الواقع الحقيقي ودهسه وكاد أن يبدده.

بدد انقطاع «فيسبوك» أية آمال أو أحلام بأن يعود العالم إلى رشده، أو يسترد البشر جانبًا من تعاملاتهم البشرية التي فطسها «فيسبوك» تفطيسًا. هذا القلق وذلك الوجل وهذه الانذعارات التي طغت على الجميع تشير إلى أن شيئًا ما جلل أصاب العالم، وتمكن منه، وهيمن عليه. والأدهى من ذلك، أن هذا الشيء حين قرر، أو تقرر له أن يختفي، أو طرأ طارئ أدى إلى اختفائه، وقع العالم في حيص بيص، وشعر سكانه بأن حياتهم لن تستوي مجددًا، وأن وجودهم على ظهر البسيطة صار منتقصًا.

النقص الحاد الذي شعر به ملايين المستخدمين ممن وجدوا صفحاتهم ميتة إكلينيكيًا، يشير إلى أن نسبة الاعتماد على «فيسبوك» –باعتباره وسيلة للتواصل وطريقة لاكتساب الشعور بالأهمية والمكانة- صارت مقلقة، وباتت تستدعي تدخلات جراحية أو علاجات باطنية.

ويبطن البعض عكس ما يظهر حين يقول إنه قادر على الاستغناء عن «فيسبوك» وقتما يريد، أو إنه لا يعتمد على «فيسبوك» بالقدر المقلق، أو إنه واحد صحيح وليس ناقصًا بفعل منصات التواصل الاجتماعي. فالحقيقة أن الكثيرين ليسوا بهذه القوة أو تلك الاستقلالية. ويقال إن نشرات الأخبار في محطات التلفزيون الاسترالية ناشدت المواطنين عدم الاتصال بالشرطة للإبلاغ عن تعطل صفحاتهم الفيسبوكية. ويشار إلى أن هاشتاغات مثل «تعطل فيسبوك» و«تعطل إنستغرام» وغيرهما تحولا إلى تريند على «تويتر» في ذلك اليوم.

يوم الأربعاء «الأسود» أو «الأحلك» أو «الأكثر قدرة على كشف ما أصابنا» يشير إلى أن تطبيقات عنكبوتية أصبحت منذ زمن قادرة على تحريك مليارات البشر وكأنهم «ماريونيت». والحقيقة أن هذه ليست المفاجأة الكبرى. المفاجأة الكبرى هي أننا لم نكن نعلم أننا صرنا مستلبين، وأن تفاصيل حياتنا اليومية صارت في يد العنكبوت من دون أن ندري.

الدراية بطبيعة مواقع التواصل الاجتماعي وطبيعة العلاقة بينها وبين الإنسان لم تكن يومًا مكشوفة كما كٌشفت يوم الأربعاء الماضي. في بلاد غربية عدة، تمكن القلق والغضب ممن يعتمدون في عملهم على «فيسبوك» بشكل أو بآخر. وهناك أيضًا من تملك منه القلق من أن تكون معلوماته الشخصية قد تم اختراقها، أو أن صفحته وما عليها تعرض لسطو استخباراتي أو غيره.

أما في بلادنا، فإن منابع القلق تمحورت في أغلبها حول فقدان منصة التعبير الرئيسية، ومجال الهري والهري الآخر المركزي، ومساحة التنظير والتحليل والإفتاء لكل من يعلم أو لا يعلم، وساحة علاج النواقص في الشخصية، وصناعة الإيجو الافتراضية، والتحليق في فضاءات الحرية الخيالية وغيرها من العوالم التي لا وجود لها على أرض الواقع ولا نظير لها إلا في عوالم الخيال والعنكبوت.

تعطل «فيسبوك» سويعات، فاكتشف البشر ما جرى لهم وبهم على مدار سنوات.

* كاتبة صحفية

طباعة Email
تعليقات

تعليقات