باقة ورد على قبر الشهيد

قبل خمسين عاماً، في التاسع من مارس عام 1969، كان الفريق عبد المنعم رياض يتفقد مسرح العمليات العسكرية على جبهة قناة السويس، لمواصلة تنفيذ خطة حرب الاستنزاف ضد العدو الإسرائيلي.

وبرغم أن النيران الكثيفة كانت متبادلة بين المقاتلين المصريين وجنود العدو، إلا أن القائد عبد المنعم رياض أصر أن يتقدم للصفوف الأمامية وسط جنوده، ليصبح في مواجهة جبهة الأعداء ونيران مدافعها بشكل مباشر، وهو ما لفت نظر أحد مساعديه فجذبه بقوة إلى داخل خندق قريب انفجرت بالقرب منه قنابل شديدة الانفجار، خلخلت الهواء في الخندق مما أدى إلى استشهاده، ولم يكن عمره قد تجاوز الخمسين عاماً.

وما كاد الزعيم جمال عبد الناصر يستجيب لنداء التظاهرات الشعبية الغاضبة التي خرجت في التاسع والعاشر من يونيو 1967، في مصر ومعظم العواصم العربية، ترفض تنحّيه عن السلطة، في أعقاب الهزيمة القاسية لثلاثة من الجيوش العربية أمام إسرائيل، حتى بدأ في اليوم التالي مباشرة الحادي عشر من يونيو في إعادة بناء القوات المسلحة المصرية التي كانت قد خسرت في الحرب التي استدرجت إليها، نحو 80% من أسلحتها وفقدت كفاءة قطاعاتها المختلفة.

فضلاّ عن الكبرياء العسكري المحطم من هول ما جرى، لجنودها وقادتها. فتم تعيين الفريق محمد فوزي قائداً عاماً للقوات المسلحة، والفريق أول عبد المنعم رياض رئيس هيئة أركان الحرب، ليصبح بذلك الرجل الثاني في الجيش بعد الفريق فوزي، ليعمل الاثنان معاً تحت الرئاسة المباشرة لجمال عبد الناصر، لإنجاز مهمة إعادة بناء الجيش، والاستعداد لتحرير الأرض التي تم احتلالها.

كان عبد المنعم رياض عسكرياً محبوباً من جنوده، ويملك بهذه المحبة والتقدير من قبل الجنود، نفوذاً معنوياً كبيراً داخل الجيش، بفضل خبرته في العلوم العسكرية التي شغف بها منذ مطلع شبابه.

فالتحق بكلية أركان الحرب في مصر لدراستها، ثم استكمل تلك الدراسة في الكليات العسكرية في كل من الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، بالإضافة لتاريخه الحربي الناصع الذي تجلى في مشاركته في التصدي للألمان في الحرب العالمية الثانية، وفي حرب فلسطين عام 1948 وفي صد العدوان الثلاثي على مصر عام 1956.

ولأن جنود الجيش في مصر وضباطه هم أبناء العمال والفلاحين والطبقة الوسطى، فقد ذاع صيته بواسطتهم، بين عامة المواطنين وفئات الشعب المختلفة كقائد عسكري وطني شجاع من طراز فريد. ولعل هذه المكانة التي كان يحظى بها داخل الجيش وخارجه، بالإضافة أنه لم يكن من الحلقة الضيقة التي تحيط بقائد الجيش آنذاك.

والتي كانت السبب وراء إبعاد المشير عبد الحكيم عامر له عن الجيش، واختياره لتولي موقع شكلي، رئيساً لما كان يعرف بأركان القيادة العربية الموحدة 1964، ثم قائداً عاماً للجبهة الأردنية على مشارف اندلاع حرب يونيو 1967.

وخلال أقل من عامين استطاعت القيادة الجديدة للجيش المصري برئاسة عبد الناصر، أن تعيد من الصفر بناء القوات المسلحة، ووقع على عاتق عبد المنعم رياض تنفيذ الجانب الفني من خطة البناء، فأعاد الانضباط لقوات الجيش، وأدخل خططاً حديثة للتدريب على مختلف القواعد القتالية والمناهج الاحترافية العسكرية. وبفضل الكاريزما التي تمتع بها تمكن، من بعث الأمل في تحقيق النصر، واسترداد الأراضي المحتلة وسط حالة اليأس والضياع والعدمية التي خلفتها الهزيمة.

كان مشهد تصدر جمال عبد الناصر لجنازة عبد المنعم رياض، التي شاركت فيها جماهير شعبية غفيرة خرجت لتودع القائد العسكري الهمام الذي استشهد وسط جنوده، جدير بالتأمل. فعبد الناصر يمشي وسط مواطنيه في قلب القاهرة التي لم تكن تبعد اقل من 150كيلومتراً عن قوات العدو الرابضة على ضفة القناة بما يعني أنها باتت محصنة ضد الهجمات الإسرائيلية في الداخل المصري.

وهتافات الجماهير الدامعة المطالبة بالثأر، تؤكد أن مصر لن تقبل باستمرار الهزيمة وأن عبد المنعم رياض صار رمزاً شعبياً للإقدام والصلابة وافتداء الوطن بالدم وبالروح.

أصبح التاسع من مارس منذئذ يوماً للشهيد تحتفل به مصر مع القوات المسلحة، وفي الاحتفالات، كانت روح عبد المنعم رياض ترفرف على الساحة وقادة الجيش يضعون باقات من الزهور على النصب التذكاري للشهداء في يوم رحيله.

كما كانت ترفرف في القاعة التي كان الرئيس السيسي يكرم فيها أسر شهداء الجيش والشرطة، ويقبّل رؤوس وأيادي الأمهات والأرامل، ليؤكد لهم ولغيرهم أن وطننا أنجب عبد المنعم رياض، وما سبقه وتلاه من مواكب للشهداء لن يهزم أبداً.

* رئيسة تحرير جريدة «الأهالي» المصرية

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات