الفلسطينيون وصفقة القرن.. سؤال اليوم التالي

في مقال له بصحيفة إسرائيل اليوم (4/‏3/‏2019)، استفسر الكاتب الإسرائيلي ايال زيسر، عما ينتظره الفلسطينيون بعد رفضهم الخطة الأميركية ؟! سؤال وجيه يستحق الاهتمام.

حقاً، ما الخطوات وبدائل التحرك والسياسات، التي تراود دوائر صنع القرار الفلسطينية استعداداً لإعلان تفاصيل «صفقة القرن».. وما الذي أعده الفلسطينيون، أو يستطيعون إعداده، لهذه اللحظة؟

ظاهر الحال أن السلطة الوطنية الفلسطينية، ومرجعيتها منظمة التحرير، تستعصم بخيار الدولتين، ويراوح موقفها إجمالاً حول السعي إلى الدولة الفلسطينية ذات السيادة غير المنقوصة في حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، والتقيّد بحق عودة اللاجئين والنازحين استناداً إلى قرارات الشرعية الدولية والأمم المتحدة، ولا سيما القرار رقم 194 لعام 1948، والعيش بسلام إلى جانب دولة إسرائيل، مع تبادل ضيق للأراضي معها، وفقاً لمبدأ التساوي في القيمة والمساحة.

ويرى الفلسطينيون أن الطريق المستقيم إلى هذه الأهداف، يتأتى عبر آلية دولية متعددة الأطراف، يشارك فيها ما تيسر من الفواعل الدوليين، وتكون محددة بصرامة لجهتي المرجعية الحقوقية والفترة الزمنية التي يجري على أساسها اجتراح تسوية نهائية مع الجانب الإسرائيلي.

والحال كذلك، يصح الاعتقاد بأن الفلسطينيين هم أقرب إلى الالتزام بصيغة أوسلو وتوابعها، كما أعلنت وكانت تضمر، قبل أكثر من ربع قرن، فضلاً عن انصياعهم التقليدي للشرعية الدولية بكامل مواصفاتها، غير أن هذا الالتزام لا يغير راهناً من الأمر شيئاً، ولا يفي بغرض الإجابة عن السؤال المطروح أعلاه: ماذا عما بعد الإفصاح عن صفقة القرن؟ نقول ذلك وفي الخاطر أن السياسة الإسرائيلية، معززة بالانحياز الأميركي، وبخاصة في عهد «معسكر الصقور» وحكمهم الممتد، قد أتلفت مرجعية أوسلو وفكرة الدولتين وفتحت قبراً للقرارات الأممية ذات الصلة.

كما أن ما رشح وتناثر من أحاديث وتسريبات عن محتويات الصفقة الأميركية العتيدة، يتجاوز بكثير المفهوم الفلسطيني للتسوية، ويهيل التراب على كل مرجعياته.

وفي كل حال، لو كانت عملية التسوية تجري تبعاً لأهواء الفلسطينيين، لما نشأت حاجة للتحري عن خياراتهم للتعامل مع أحوال أو مستجدات ما بعد «الصفقة».

جانب معتبر من الإجابات المتداولة بهذا الصدد، يتعلق بمفهوم الدولة الواحدة بين النهر والبحر.

الفكرة السائدة لدى أوساط فلسطينية وبعض الإسرائيليين، ومنهم ايال زيسر، أن الجيل الفلسطيني الشاب لا يفضل أصلاً حل الدولتين، الذي يمنحه دولة ناقصة «بينما الاتجاه إلى الدولة الواحدة والحصول على المواطنة الإسرائيلية، حل يعمل للمصلحة الفلسطينية على المدي البعيد».

وبالطبع يقوم هذا التصور على أن الفلسطينيين يرون في أنفسهم أغلبية، يمكنها مستقبلاً توجيه دفة الحكم والسياسة في إسرائيل.

ينبغي الاعتراف بأن الفلسطينيين متزايدون، بما في ذلك متنفذون وأصحاب رؤى سياسية، يلوحون بالدولة الواحدة، أما على سبيل التهديد والوعيد بمغالبة إسرائيل سكانياً، وأما من منطلق القناعة باستحالة حل الدولتين في ضوء سياسات التوسع الاستيطاني في حدود 1967.

من عيوب هذا التفكير، أن أصحابه يغفلون عن كون الدولة الواحدة ستحمل اسم «اسرائيل»، مما يترتب عليه تغييب اسم فلسطين وزعزعة الهوية الوطنية والأرومة القومية لأصحابها الأصليين. وليس من المنطقي الذهاب إلى أن الأغلبية الفلسطينية في جوف الدولة الواحدة، ستتمكن من محو اسم إسرائيل بالوسائل الديمقراطية.

لا يتطرف إلى مثل هذا التصور المستقبلي، حيث زوال مفهوم الدولة الصهيونية من القاموس الدولي عبر صناديق الانتخاب، إلا موغل في الخيال، فقبل 1948 رفض الصهاينة «يوتوبيا» الدولة الفلسطينية الديمقراطية الواحدة، وظل هاجسهم ابتلاع فلسطين بالكامل، أما دفعة واحدة أو بالقطاعي على مراحل. ولا يوجد اليوم، وربما في المستقبل الأبعد نسبياً، ما يدعوهم للانصياع لهذا الحلم اليوتوبي، الذي يتساوون فيه مع الفلسطينيين.

النظرة المعمقة تقول إن أحد أهم موجبات إقرار ما يعرف بـ«قانون القومية اليهودية»، هو التحسب لافتراض الانسياق إلى الدولة الواحدة، وتمييز اليهود داخلها جبراً وبالقانون إذا ما لم يكن هناك بد من الوصول إليها.

الشاهد أن الحالة الفلسطينية تمضي إلى مزيد من التعقيد والاستعصاء. حل الدولتين بات شاحباً يكاد يأفل كلياً. وحل الدولة الواحدة، الديمقراطية لكل مواطنيها أو الثنائية القومية، يبدو طوباوياً وبعيد المنال.

وصفقة القرن تنطوي على تأبيد ظلامة الفلسطينيين وإعادة تجذير الصراع على أرض فلسطين. وعليه، يبقى السؤال عما بعد إعلان هذه الصفقة قائماً ومعلقاً بذمة الفلسطينيين، رغم أن مشروعهم للتسوية هو الأكثر عقلانية ومنطقية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات