زيارة قصيرة في مدتها عظيمة في نتائجها

تحولت الهند خلال السنوات القليلة الماضية إلى دولة يخطب ودها الجميع، ابتداء من القوى العالمية الكبرى مثل الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وروسيا الاتحادية واليابان ومنظومة دول آسيان، وانتهاء بالدول الإقليمية متوسطة أو صغيرة الوزن مثل إسرائيل وإيران وتركيا واستراليا.

ولم يكن هذا بسبب صعودها المذهل الذي تجلى في تحقيقها نسبة نمو اقتصادي بلغت 5.7 بالمائة في عام 2018 مقارنة بنسبة 5.6 بالمائة في الصين في الفترة ذاتها، أو بسبب موقعها الجغرافي الحساس على طرق التجارة العالمية الرابطة ما بين الشرق والغرب، أو من منطلق قوتها العلمية والصناعية وأسواقها الاستهلاكية الضخمة فحسب.

وإنما كان أيضا لسبب إضافي آخر هو مصداقيتها كبلد ديمقراطي مستقر وآمن، ودولة مسؤولة وملتزمة بالأعراف والنواميس الدولية، ومجتمع يموج بالحراك والديناميكية على مختلف الأصعدة وفي شتى المجالات.

وسط هذه الحقائق جاءت زيارة ولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز إلى الهند في الفترة من 19 ــ 20 من فبراير الجاري لتخط من خلال روحه الشبابية الوثابة وطموحاته المستقبلية المشروعة سطراً جديداً في تاريخ العلاقات الثنائية بين البلدين الكبيرين من بعد السطور التي خطها خادم الحرمين الشريفين الراحل الملك عبدالله بن عبدالعزيز وأخيه خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز خلال زيارتيهما التاريخيتين الأثيرتين لنيودلهي في عامي 2006 و2014 على التوالي، واللتين حرصا خلالهما على تجديد وتعميق أواصر الصداقة والتعاون بين نيودلهي والرياض بمنظور الحكمة والخبرة السياسية المتراكمة لديهما، وإضفاء أجواء من الحرارة والدفء عليها من بعد سكون وبرود ظل مخيماً على هذه العلاقات على المستويين السياسي والاستراتيجي منذ زيارة الملك الراحل سعود بن عبدالعزيز رحمه الله إلى دلهي في ديسمبر 1955 وزيارة بطل استقلال الهند وأول رؤساء حكوماتها جواهر لال نهرو إلى الرياض في سبتمبر من العام التالي.

أتت زيارة الأمير محمد للهند وقد صارت الهواجس والشكوك والخلافات في الرؤى والسياسات الخارجية، التي كانت وراءها عوامل مرتبطة بأطراف ثالثة، شيئاً من الماضي، بل جاءت وقد تغير الكثير من المعادلات الجيوسياسية وموازين القوة وحلتْ محلها من المستجدات الدولية والإقليمية ما يدعو الطرفين لإعادة صياغة علاقاتهما الثنائية والجماعية وفق أسس ومعايير جديدة من أجل مستقبل أفضل لكليهما، خصوصاً في ظل وجود تاريخ طويل من التعاون والتواصل غير الرسمي بين الشعبين السعودي والهندي يعود إلى ما قبل استقلال الهند، بل إلى ما قبل قيام الدولة السعودية الثالثة بحدودها الحالية.

إن هذا التاريخ الضارب جذوره في أعماق الأرض، معطوفاً على حاجة البلدين لبعضهما البعض في مجالات التنمية والاستثمار والتعليم المتطور المواكب لمتطلبات العصر ودرء الأخطار الخارجية ومقاومة الإرهاب والتطرف والقرصنة وكبح جماح الدول المارقة ونبذ الكراهية يشكل أرضية مناسبة للبناء عليها من أجل عالم أكثر سلاما واستقراراً وأمناً.

ومما لا شك فيه أن الهند، التي لم تكن يوماً تسعى للمساعدات الخليجية، أو طارئة على المشهد الخليجي بإمكانها أنْ تعطي الكثير وقد باتت قطباً صناعياً وتجارياً وعلمياً وتكنولوجياً وعسكرياً يحسب لصوتها وخطواتها ألف حساب.

كما أنها بحكم حاجتها المتزايدة للطاقة والاستثمارات الأجنبية لمواصلة نهضتها الحالية ومشاريعها المستقبلية تستطيع استيعاب كل ما يأتي من السعودية وشقيقاتها الخليجيات وفق خطة شراكة استراتيجية طويلة المدى متعددة الجوانب، خصوصاً وأن كل المؤشرات تفيد بانتقالها خلال السنوات القليلة القادمة من اقتصاد يبلغ قيمته اليوم 2.3 تريليون دولار إلى اقتصاد تتجاوز قيمته خمسة تريليونات دولار.

ولا أبالغ لو قلت ــ طبقاً لما سمعته من كبار المسؤولين الهنود أثناء قيامي مع آخرين بالإعداد لمنتدى الحوار العربي الهندي الذي عقد أولى جلساته في المنامة في عام 2016 ــ أن الهند تعي دورها جيداً في منطقة الخليج الواقعة بالقرب من حدودها الغربية. هذه المنطقة التي عانت وتعاني الأمرين بسبب السياسات الإيرانية الإرهابية الهوجاء منذ قيام ما يـُسمى بالثورة الإسلامية الخمينية سنة 1979.

وهي لئن حافظت على علاقاتها مع هذا النظام المارق لأسباب برغماتية خاصة بها متعلقة بمشاكلها مع جارتها الباكستانية المستقوية بخصمها اللدود الآخر (الصين)، فإنها ــ أي نيودلهي ــ لن تفرط بتعاونها وعلاقاتها المتشعبة مع دول الخليج العربية مهما كانت الأسباب، كونها تعلمتْ الدرس يوم أنْ راهنت على الأقطار العربية الثورية على حساب الأقطار العربية المحافظة زمن المد القومي الناصري، فكانت خسائرها مضاعفة، بل تطلب الأمر سنوات طويلة لإعادة بناء الثقة وإصلاح الخلل.

جملة القول إنه بانتهاء الحرب الباردة لم تعد العلاقات تـُبنى على العواطف والشعارات والمنافقة الزائفة وإنما على قاعدة المصالح المشتركة، وهذا ما تنتهجه الرياض ونيودلهي.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات