الداعشيات والاكتواء بنيران الإرهاب

الانحراف العقائدي والفكري، وخاصة نحو التطرف والإرهاب، مرض عضال، وداء فتاك، لا يفرق بين جنس وجنس، بل متى صادف هوى في النفس، وميلاً إليه، لسبب أو لآخر، استحوذ على الإنسان، وتمكن منه، فأصبح المصاب خطراً على نفسه، وخطراً على الآخرين، ولذلك أصيب بهذا المرض رجال ونساء.

وإذا قلَّبنا صفحات التاريخ، نجد أسماء كثيرة لرجال ونساء أصيبوا بهذا المرض، فمع ظهور الخوارج في أواخر عهد الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، كان العنصر النسائي أحد العناصر المؤثرة لدى تلك الكيانات الإرهابية، وظهرت شخصيات نسائية عدة منتمية لها.

وذلك يدل دلالة واضحة على أن دور العناصر النسائية في التنظيمات الإرهابية، لا يقل خطراً عن دور الرجال فيها، والواقع المعاصر اليوم، خير شاهد على ذلك، وخاصة النساء المنتميات لتنظيم داعش، فقد مارست المرأة الداعشية أدواراً مختلفة، تارة بالدعاية للتنظيم والتجنيد له، وتارة بالتحريض على سفك الدماء والعمليات الإرهابية، وتارة بالمشاركة الميدانية في القتال، وتارة بتنفيذ عمليات إرهابية، أو عبر دعم الأزواج وتغذية الأطفال بأفكار التطرف، إلى غير ذلك من الأدوار التي مارستها الداعشيات، حتى أصبحت أسماء بعضهن مدرجة في القوائم السوداء للمقاتلين الإرهابيين في العالم.

معتقدات فاسدة وأفكار ضالة تشربتها عقول هذه العناصر النسائية، قائمة على الإرهاب والتكفير، والفهم المغلوط للتعاليم الدينية، والحكم على البلدان الإسلامية بالكفر والردة، واستباحتها، واستهداف الآمنين في الشرق والغرب، والجري وراء أحلام زائفة، توهموا من خلالها أن البقعة التي استولوا عليها هي دار الإسلام والهجرة، وما عداها دار حرب وقتال، مستنسخين فكر الخوارج، وقد أعماهم تطرفهم عن تعاليم الإسلام الحقة، التي تُحرِّم أشد التحريم سفك الدماء والعدوان على الناس، وتنقض أفكارهم المتطرفة من جذورها، جملة وتفصيلاً.

ومع اندحار تنظيم داعش وانحساره وسقوط مقاتليه بين قتلى وأسرى، وفرار آخرين، وتبخُّر حلم الخلافة الزائف، بدأت الصدمات تتوالى على الداعشيات، اللاتي وجدن أنفسهن وسط جحيم مستعر، بين حبس في سجون، وأسر في أيدي مقاتلين من فصائل أخرى، وتشريد في مخيمات، وضياع بين أنقاض متهاوية، وحمل مسؤولية أطفال لا يجدن لهم مأوى ولا طعاماً، وكل ذلك ناجم عن جنايتهن على أنفسهن، وجنايتهن على أطفالهن، فضلاً عن جنايتهن على الناس، بالتحريض على قتلهم، والمشاركة في ذلك، وجنايتهن على الدين بتشويهه وإلصاق التهم الباطلة به.

والآن، وبعد أن اكتوين بنيران الإرهاب، نجد صيحات بعضهن بالندم والأسف، والتحجج بأنهن ضحايا لجهلهن، وقلة بضاعتهن في العلم، وأنهن تعرضن لغسيل أدمغة، وأصبحن يتوسلن للعودة إلى دولهن، فأين كان هذا قبل أن يتورطن ويقعن تحت طائلة المسؤولية والملاحقات الجنائية والقانونية والأمنية؟ أين كان عقلهن؟ أين كان ورعهن عن الولوغ في دماء الناس، والتحريض على قتلهم؟ وماذا استفدن من ذلك كله، سواء تدمير أنفسهن وعوائلهن؟ لم يعد استدرار العواطف وحده اليوم كافياً، فالدول لها حساباتها، وكل دولة تضع أمنها القومي على رأس أولوياتها.

كما أن الاحتجاج بالجهل هنا، عذر أقبح من ذنب، وخاصة في ما يتعلق بارتكاب الجرائم والتحريض عليها، فقد وهب الله تعالى الإنسان العقل، وركَّب فيه الفطرة الإنسانية، وأنعم عليه بنور الوحي، ليهتدي ويسعد، وينفع نفسه وينفع الآخرين، وليتمسك بالوسطية والاعتدال، وينأى بنفسه عن الإفراط والتفريط، ويلتزم الأخلاق الحميدة، وحينما تتعامى الداعشية عن ذلك كله، وتنساق وراء شبهات زائفة هشة كالزجاج، أو عواطف منفلتة، أو مشكلات شخصية ونفسية، وتتحول إلى آلة قتل وتدمير، فإنها هي الجانية على نفسها، وقد تندم ساعة لا ينفع فيها الندم.

إن من يرصد الواقع، يجد فيه دروساً وعظات كثيرة، ويرى كيف ينقلب الإرهاب على صاحبه، ويكون شؤماً عليه، فيسلبه إنسانيته وفطرته وأخلاقه وعقله، ويجرده من كل شيء، ولربما سلبه حياته، لأن الإرهابي يسير ضد قوانين الشرع والحياة، ويستبيح دماء الآخرين، ويشوه دين الخالق، ويصد الناس عنه بسوء أفعاله.

والنبي محمد صلى الله عليه وسلم، حذر من العدوان على الخلق، سواء على أنفسهم أو أموالهم أو أعراضهم، ولم يجامل في ذلك ذكراً ولا أنثى، فالكل في ذلك عنده سواء، حتى قال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده، لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها»، وهذا الحديث وغيره، رسالة رادعة إلى كل من يحاول التأثير في عواطف الناس للتعاطف مع المنحرفات فكرياً، والمدانات قضائياً، واستغلال ذلك للتأليب ضد الدول وتشويهها.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات