عرائس وعرسان «داعش»

عودة الدواعش ملف الساعة. ما يعرف بتنظيم «داعش»، وما تم ترويجه باعتباره «دولة الخلافة»، وما دافع عنه البعض (دولاً وجماعات وجهات ومنظمات) في بدء انطلاق «مشروع داعش» باعتبارهم جماعات باحثة عن الحرية، أو مجموعات ساعية وراء رؤية سياسية تستوجب الاستماع، يفتح فصلاً جديداً هذه الأيام، ولكن من أجل الختام.

ختام المرحلة الداعشية في خارطة الشرق الأوسط الجديد تكشف عن تفاصيلها هذه الأيام. تفريغ كل من سوريا والعراق من محتوياتهما الداعشية مع ترك الدواخل على حالتها لحين إشعار آخر يقلب دولاً رأساً على عقب. الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دخل دوامة تغريدية جديدة ألقت بظلال سياسية وحقوقية وقانونية وخيمة على الساحة الأمريكية والدولية.

تغريدة أطلقها ترامب قبل أيام عن الشابة هدى مثنى (24 عاماً) التي تركت أسرتها يمنية الأصل في أمريكا وشدت الرحال إلى سوريا عبر تركيا لتلتحق بصفوف «داعش»، أعادت فتح ملف عودة الدواعش. تقول التغريدة إن ترامب أعطى تعليماته لوزير الخارجية مايك بومبيو بعدم السماح لمثنى بالعودة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وأن بومبيو يوافقه الرأي.

والرأي في عودة الدواعش الذين اتخذوا قرار السفر والترحال من أجل إقامة دولة «داعش» عبر الذبح والقتل والتشريد والتهجير والرجم في دولة تبعد عنهم آلاف الأميال يتأرجح بين جماعات حقوقية تقول إن من حق أولئك العودة إلى بلدانهم لأنهم مواطنون لهم حقوق، ومجموعات بشرية ترى أن عودة أولئك تعني عودة قنابل موقوتة.

في الوقت الذي كانت دول مثل مصر والإمارات تحذر وتنبه من خطر «داعش» المتمدد، وتتخذ خطوات لتأمين حدودها وتحجيم النيران المتصاعدة من هذه التنظيمات والعابرة للحدود، كانت دول أخرى تغمض الطرف تماماً عن ممرات الدخول الآمن إلى سوريا للمجموعات الداعشية.

مدينة مثل «غازي عنتاب» التركية مثلاً ظلت - طيلة سنوات محطة تقوية لأواصر التنظيم الإرهابي ومده بالدواعش الجدد القادمين من دول عدة في العالم – بعيدة عن أعين الرقابة الدولية والتعليق الإعلامي الغربي والتدقيق الحقوقي العالمي. البعض كان يسميها «مدينة الدعم اللوجستي» لداعش على الأراضي التركية.

هناك كانت تجري تدريبات للمقاتلين الذين يتم تأهيلهم للعبور إلى سوريا. وهناك كان يأتي الباحثون عن أبنائهم وذويهم الذين هجروا بلدانهم بعد ما تم تجنيدهم. وهناك كانت المحلات التجارية تبيع الأزياء الداعشية نهاراً جهاراً. ورغم ذلك لم يتضرر المجتمع الدولي، أو يتضايق العالم الحقوقي، أو يتململ أي من المتململين حالياً من عودة «عرائس داعش».

«عرائس داعش» الآخذة أخبارهم في السيطرة على الإعلام في دول الغرب باتوا صداعاً في رؤوس الكثيرين. فمن هدى مثنى الأمريكية من أصول يمنية، إلى البريطانية من أصول بنغالية شميمة بيغوم والتي تركت بريطانيا وهي في سن الـ15 لتتزوج من داعشي وتعيش في كنف «داعش»، قبل أن تكتشف إنها تريد أن تعود إلى بريطانيا مجدداً، تتواتر القصص.

قصص «عرائس داعش» كثيرة، وحكايات الدواعش من الشباب والرجال عديدة، ومآسي الأطفال الصغار الذين تم تدريبهم لينضموا إلى «دولة الخلافة المزعومة» مريعة، والرضع الذين ولدوا لأب وأم داعشيين تثير القلق والخوف.

فأين يذهب هؤلاء بعد خفوت نجم التنظيم؟ هل يعودون إلى الدول التي قدموا منها؟ وهل تستقبلهم هذه الدول أم ترفض كما فعلت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا أخيراً؟ وفي حال رفض الدول استقبالهم، هل يبقون في سوريا أم ربما يفكرون في عبور الحدود إلى دول أخرى قريبة؟ وفي حال بقوا في في سوريا، ما مصيرهم وأبناؤهم؟

أسئلة كثيرة تطرح نفسها هذه الآونة: فلماذا لم تنشغل هذه الدول بالمسألة وقت كانت ترصد سفر مواطنيها لـ«الجهاد المزعوم» في صفوف «داعش»؟ ولماذا لم تبدِ تلك الدول قلقاً أو تشجب وتندد وقت عقد محمد مرسي مؤتمر «نصرة سوريا» في استاد القاهرة في عام 2013، حيث جمع أهله وعشيرته ومجموعة منتقاة من إرهابيي الجماعات التكفيرية والمتطرفة والغارقة في التشدد؟

التشدد في ملف الدواعش الراغبين في العودة إلى بلدانهم بعد انتهاء مهامهم الداعشية، أو بعد اكتشافهم أن النشاط الداعشي ليس ما كان يصبون إليه أمر تراه دول عدة ضرورة. حتى أستراليا تدرس منع الأستراليين الدواعش من العودة إلى أستراليا لمدة عامين.

وزير الأمن الداخلي الأسترالي بيتر داتون قال أن «الحكومة عازمة على التعامل مع هؤلاء في أبعد مكان ممكن عن شواطئنا، وإذا ما عادوا فإلى قبضة السلطات». وقد تتضمن القواعد في حال عودة دواعش أستراليا قيوداً تتعلق باستخدامهم التكنولوجيا.

خلاصة القول نقطتان: الأولى أن الدول تتخذ إجراءات تراها في مصلحة شعوبها وأمنها وأمانها، حتى لو كانت الإجراءات تتصف بالاستثنائية أو عدم الاتساق مع نصوص قانونية تمنع الحرمان من الجنسية مثلاً. أما الثانية فتطرح سؤالاً حول مصير «عرائس داعش» وعرسانهن وأطفالهن ممن يجدون أنفسهم مضطرين للبقاء في المنطقة، وما يعنيه ذلك من أخطار معرضة لمعاودة الانفجار في وجوهنا جميعاً.

 

 

طباعة Email