العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    مقال

    السويسريون والعمل بصمت

    اختار السويسريون العمل بهدوء بعيداً عن الصراعات الدولية. فبعد الحرب العالمية الطاحنة اختارت سويسرا لها منهجاً مسالماً جعلها واحة أمن وأمان. وصار يقصدها القاصي والداني وفي مقدمتهم المنظمات الدولية للاستقرار فيها، لأنها لم تهدر طاقتها في نزاعات سياسية، وأضحت ملاذاً لكل ساع إلى إيداع ثرواته في مكان آمن خارج حدود بلاده.

    السويسريون لديهم حلولهم الخاصة لمشاكلهم. خذ مثلاً ارتفاع محاولات نزوح ملايين اللاجئين، بعد ما يسمى بـ«الربيع العربي». فصادف ذلك ارتفاع حمى المد اليميني المتطرف في أنحاء أوروبا، وارتفاع موجة النزعة القومية فانكفأ الأوروبيون على أنفسهم، وتهرب بعضهم من وضع حلول لأزمة إيواء اللاجئين.

    سويسرا أخذت منحى آخر، وذلك عندما اختار قادتها استخدام طريقة بعيدة عن الصخب الإعلامي تضمن انصهار اللاجئين في بوتقة المجتمع ودفعهم نحو الإنتاجية.

    فاستخدمت خوارزميات مبتكرة لتحديد المناطق التي تناسب متطلبات سوق العمل مثل مهارات اللاجئين وخبراتهم. ونجحوا بهدوء ومن دون «منة» أو ضجيج إعلامي في رفع معدلات تشغيل اللاجئين بنسبة 73٪ في بلادهم، في حين نجحت الولايات المتحدة الأمريكية فيما لا يتجاوز نسبة 41٪.

    كلما قرأت عن سويسرا أشعر أنني في كوكب آخر، في آلية التعامل مع المشكلات التي تحيط بها. فهي حسمت أمرها بأن تكون لعقود عدة بلداً محايداً neutral state وهذه ليست نقيصة. فهي في منتصف أوروبا وتحيط بها قوى عظمى كفرنسا وألمانيا، فضلاً عن إيطاليا والنمسا التي كانت قوة لا يستهان بها بجذورها الممتدة إلى العصر الروماني.

    ومع ذلك تحاول ممارسة دورها الإنساني حول العالم. فهي تحاول أن تقف على مسافة واحدة من الجميع وبكل فخر. ولذا لا تجد أن لديها جيشاً هجومياً. مهمته تنحصر في الدفاع فقط عن كل شبر في التراب السويسري.

    وقد انعكس ذلك على قراراتها. فمن غريب ما قرأت أن جسورها مزودة بجيب صغير لحمل قنبلة وذلك ليتمكن العسكر من نسفها في حال تعرضها لعدوان خارجي كغزو بري أو ما شابه.

    حينما أستقل وسائل المواصلات العامة، كنت أتعجب بأن أحداً لا يطلب منك إظهار التذكرة مثل قطارات بريطانيا وغيرها. فتجد الالتزام والإتيكيت سمة تكاد تكون سائدة في كثير من مدنها. ولذا لم أستغرب حينما قرأت أن صفق باب السيارة بعنف كان يعد حتى عهد قريب مخالفة في بعض المدن السويسرية.

    وقرأت أيضاً أنها حازت أكثر عدد جوائز نوبل وهي أعلى نسبة عالمياً مقارنة بعدد السكان. كل هذا يجري بهدوء جميل. نسمع عن الساعات السويسرية وأفخر أنواع الشوكولاته لكننا لا نرى رموزاً يتصدرون الشاشات. ولو عملت استفتاء لمعرفة شخصياتها السياسية لا تكاد تعرف أحداً منهم، فهي اختارت ألا تنازع أقطار العالم في ميادين السياسة الخارجية. ولذا بقيت بحق واحة أمن وأمان.

     

     

    طباعة Email