إعلان أبوظبي.. المحبة شفاء لكل داء

آسر وملهم مشهد توسّط الشيخ محمد بن زايد، ولي عهد أبوظبي، لكل من بابا الفاتيكان فرنسيس، وشيخ الجامع الأزهر الدكتور أحمد الطيب، وهو يمسك بيد كل منهما في الطريق نحو المنصة التي وقعا عليها وثيقة «الأخوة الإنسانية».

رمزان دينيان عالميان ترعى دولة الإمارات دعوتهما لنبذ العنف والتطرف، وسفك الدماء، ونشر الدمار والخراب وإشعال الحروب والعدوان على الحقوق، والتمسك بقيم التسامح والقبول بالآخر، والاعتراف بالتعدد والاختلاف، واحتضان الخير والجمال والعيش المشترك والمحبة والعدل والمساواة والحرية التي تنطوي عليها، وتحث على نشرها كل الديانات.

مشهد يزعزع أفكاراً استعمارية تروّج لما تسميه صراع الحضارات بعد انتهاء الحرب الباردة، حين اختزل مروّجو تلك الأفكار الإسلام في التيارات الدينية المتزمتة التي نصبت نفسها وصياً على البلاد والعباد لحماية العقيدة والدفاع عن شرع الله بتدمير الأوطان وإهدار الدماء، ليصبح الصدام حتميا كما يتوهمون، بين الحضارتين الغربية والإسلامية!

رسالة المشهد بسيطة ومؤثرة وموحية، ففي دولة عربية، داخل منطقة كانت مهداً للحضارات الإنسانية ومهبطاً للرسالات، يجري الحوار بين الأديان، وتتلاقح الثقافات، وتتقارب الأديان لتسفر عن عقد اجتماعي جديد، لانتشال البشرية من أمراضها التي تبدو مستعصية، ولتحقيق التآخي بين دولها وإسعاد شعوبها، نعم، إسعادهم، إذا ما ظل للعقل الحكيم وللفطرة السليمة، مكان في عالمنا.

ما يلفت النظر في وثيقة «الأخوة الإنسانية» أنها بدعم من البابا وشيخ الأزهر ودولة الإمارات، وهي الأطراف الموقعة عليها، تمهّد الطريق لدعاة تجديد الخطاب الديني في منطقتنا، بمواصلة مهمتهم، وتفتح الباب أمام اجتهاداتهم، لتنقية التراث الإسلامي مما علق به من مرويات شائهة، وخرافات مصنوعة سادت في عصور الانحطاط التي ساهمت في انهيار الحضارة الإسلامية، بسبب استغلال الأديان في السياسة، وفي تأجيج الكراهية والعنف والتعصب، كما تشير الوثيقة.

وتنطوي الوثيقة على عدد هام من المبادئ، ومن المؤكد أن معظم دساتير دول العالم تتضمن بنودها، كما هي تتفق مع الميثاق العالمي لحقوق الإنسان، الذي شارك عرب في صياغته، وهو ما يجعلها تتوافق مع دساتير وقوانين الدولة القومية.

والوثيقة تحمل من المعاني ما أكده شيخ الأزهر في خطابه وبينها دعوة المسلمين في الدول الغربية، للاندماج في مجتمعاتهم التي ضمنت لهم فرص التعلم والعمل والعيش الآمن، بما يلزمهم من احترام قوانينها، لتسهيل حياتهم في الغرب، فضلاً عن تدعيم أواصر العيش المشترك.

وبينها كذلك التأكيد على أن العلاقة بين الشرق والغرب ضرورة قصوى لكل منهما، وعلى أن مفهوم المواطنة يقوم على المساواة في الحقوق والواجبات، التي تضمن للمرأة الحق في التعلم والعمل وممارسة الحقوق السياسية، وحماية حقوق الأطفال في التنشئة الأساسية السليمة.

كما هي دعوة في نفس الوقت لحماية مسيحيي الشرق، والحفاظ على حقوقهم، بعد أن تعقبتهم قوى الظلام الإرهابية، وشرّدتهم من مناطقهم، وأجبرت كثيرين منهم على الهجرة خارج أوطانهم.

توقفت طويلاً أمام دعوة البابا للحرية الدينية للمؤمنين وغير المؤمنين، وحماية دور العبادة التي تكفل للجميع تأدية شعائرهم الدينية، وهي دعوة هامة وضرورية في منطقة تحفل بالعمالة الآسيوية، التي يدين بعض أصحابها بديانات غير سماوية.

ويظل على عاتق دولة الإمارات مهمة صعبة لكنها ضرورية، وهي ترجمة مبادئ تلك الوثيقة إلى برامج عمل عربية، تنقي المناهج الدراسية الأولية والجامعية في مجتمعاتنا، من كل ما يخالف تلك المبادئ، ويقدم قراءة منطقية وعقلانية للتاريخ الإسلامي، تبشر بالمحبة وفضائل العيش المشترك، وتحتفي بتعدد وتنوع الحياة، وتجعل الحق في الدفاع عنها قضية مسلماً بها، وتصونها بواقع تشريعي جديد.

فضلاً عن قيام الجامعات ومراكز الدراسات والبحوث، بإعداد دورات تدريبية مكثفة للإعلامين في كافة المجالات والأئمة والدعاة لكي تمسي مجالات عملهم دعماً لمبادئ تلك الوثيقة الهامة، التي تدعم كل بنودها السعي لإحلال السلام العالمي.

ولأن المناسبة ثقافية وحضارية لا سياسية، فقد اعتبرت -ككثيرين غيري من العرب- أن التوجه العام الذي انطوت عليه وثيقة الأخوة الإنسانية، الذي تجلي في رفضها للحروب والصراعات الدامية، ومطالبتها بوقف سيل الدماء البريئة، سعياً لتحقيق العدل، حديثاً خاصاً بمنطقتنا، وبحقوق شعوبها في فلسطين وسوريا والعراق واليمن وليبيا، في العيش الآمن والكريم والمستقر، ليصبح إعلان أبوظبي بذلك طريقاً يجري تمهيده للتوصل بالحوار والمحبة لشفاء عِللنا وعِلل غيرنا.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات