آن الأوان

العقود القليلة الماضية شهدت تراجعاً كبيراً في الأداء العربي التعليمي والمعرفي. عشرات التقارير ومئات الدراسات العربية والأممية تواترت على رؤوسنا حاملة تصنيفات ومشيرة إلى مكانات لو وصلت إلى مسامع ابن سينا أو عرف بها سيبويه لماتا مرتين.

مرات كثيرة يحاول علماء وخبراء تفنيد الأسباب معرفة ما الذي حل بنا. والحقيقة أن الأسباب أكثرها واضح، وأغلبها بائن. فقر وإفقار في بعض الدول حالا دون الدفع بالتعليم نحو الأمام أو حتى الإبقاء عليه محلك سر، فهوى وارتطم بعضه بالأرض. ميزانيات محدودة في دول أخرى منعت الحكومات فيها من الاستثمار والتحديث فأثر ذلك سلباً على مستوى التعليم ومحتوى المعرفة.

وفي دول أخرى، انشغلت الأنظمة بمصالح شخصية وأولويات فرعية، فتُرِكت ساحة التعليم لكل من هب ودب، يخرب فيها كما يشاء أو يدفع بها إلى هاوية التطرف والتشدد كما يبتغي. ومع كل ذلك، جاء تحجر الفكر التعليمي وبقاؤه على حاله حيث الاعتماد على الحفظ والتلقين، وإجهاض ميول الإبداع ومحاربة بوادر الابتكار تحت مسمى «الالتزام بالمنهج» وعدم الخروج على السياق.

وفي هذا السياق، كشفت دراسة صادمة صدرت في عام 2015 عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن مكانة جودة قطاع التعليم في عدد كبير من الدول العربية. جاءت الإمارات على رأس الدول العربية، وهذا مدعاة للفخر.

وما يدعو لفخر أوسع وأشمل هو أنه على مدى السنوات الثلاث الماضية، وعلى الرغم من ظروف المنطقة الملتهبة والآثار الجانبية والمباشرة الناجمة عن رياح ما سمي «الربيع العربي» العاتية، إلا أن نهضة تعليمية ومعرفية حقيقية تبدو خطواتها واضحة وبشائرها مطمئنة.

فبين استمرار لاهتمام إماراتي وخطوات فعالة بالتعليم وتخطيط محكم للمحتوى، وتفنيد للغايات المرتقبة من خريجيها وتنمية المهارات وتشجيع الابتكارات والتأهيل لسوق العمل في عصر رقمي بامتياز، وخطوات تجري على قدم وساق في السعودية لتتواءم خطوات الإصلاح الجارية وفكر التعليم في المدارس، وإصلاح شامل لثقافة ومنظومة التعليم في مصر، والتي بدأت فعلياً في العام الدراسي الحالي 2018 – 2019، يبدو ضوء التعليم لبناء الإنسان وليس لحشو دماغه في نهاية النفق المظلم.

النفق الذي تسير فيه دول عربية هذه الآونة مليء بالأشواك، حيث مقاومة متوقعة من قبل الممسكين بتلابيب أنظمة تعليمية قديمة دفعت بالأمة العربية في اتجاه مخالف للتحضر والتنمية والتقدم، ربما من باب «ما تعرفه أفضل مما لا تعرفه» أو ربما للإبقاء على الوضع السيئ على حاله.

وفي النفق ذاته احتكاكات وصدامات، بين مشككين في ماهية الإصلاح أو الغرض من التحديث أو الغاية من الانتقال من زمن «لا تجادل ولا تناقش» إلى عصر التفكير النقدي والابتكار خارج كل الصناديق من جهة، وبين التنويريين الإصلاحيين المؤمنين بأن السبيل الوحيد لإنقاذ هذا الجزء من العالم هو التعليم.

والتعليم ليس ورقة وقلم وسبورة، بل إنه ليس «تابلت» ومواقع تفاعلية وسبورة ذكية، لكنه فكر وتغيير ثقافة وتعديل مسار. وأحد سبل تعديل المسار هو تلك المبادرات غير التقليدية والأفكار التي لم نعتدها من قبل، بل كنا ننظر إلى مثيلاتها في دول أخرى وثقافات مختلفة باعتبارها عنصراً من عناصر الإبهار وحلماً صعب المنال.

ومن منال إلى مريم، وتحديداً مريم محمد يوسف الطالبة المصرية التي حصلت على المركز الثاني في مسابقة «تحدي القراءة»، وهي إحدى أبرز وأهم مبادرات التعلم عبر سبل غير تقليدية في العالم العربي.

«تحدي القراءة»، تلك المبادرة التي أطلقها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، في عام 2015 صنعت علامة فارقة في المسار التعليمي العربي، وذلك جنباً إلى جنب مع خطوات بالغة الجرأة اتخذتها مصر لإصلاح المنظومة برمتها.

المبادرة التي تشجع عودة الطالب العربي إلى القراءة خارج إطار المناهج الدراسية المقررة صنعت التزاماً لدى ملايين الطلاب من المشاركين بقراءة 50 مليون كتاب خلال كل عام دراسي. مريم المصرية قالت في حفل إعلان نتائج «تحدي القراءة» في دورته الثالثة في أكتوبر الماضي في دبي إنها لو أتيحت لها فرصة تأليف كتاب، فسيكون عنوانه «آن الأوان».

وقالت إنه سيكون عن صناعة التغيير في العالم، وضرورة العمل على استعادة الحضارة العربية ومجدها.

مجد القراءة وعودة الكلمة والفكرة إلى منظومة التعليم بدا في مصر واضحاً حين بلغ عدد المشاركين في «تحدي القراءة» في العام الدراسي 2018 -2019 أكثر من ثمانية ملايين طالب وطالبة، وهو ما يعني الكثير.

وأمس السبت واليوم الأحد شهدت القاهرة فعالية مصرية إماراتية لـ«تحدي القراءة» تعد بمثابة خطوة إضافية في النفق الذي أوشكنا على الخروج منه، ليصبح لدينا بدلاً من المريمين: مريم أمجون الفائزة الأولى من المغرب، والثانية من مصر آلاف وملايين من متحدي القراءة والابتكار والإبداع. فقد «آن الأون» قولاً وفعلاً.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات