لقاء المحبة والإخاء في دار زايد

رسالة لها مغزى بلا شك.. أن تستضيف «دار زايد» اللقاء المهم بين فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر، الدكتور أحمد الطيب، وقداسة البابا فرنسيس بابا الكنيسة الكاثوليكية. التقى الرجلان قبل ذلك مرات. كانت اللقاءات تتم في حضرة الفاتيكان أو قاهرة المعز، حيث مقر الأزهر الشريف.

والآن تحتضن أبوظبي أول لقاء للرجلين في بلد آخر اختار منذ بدأ عمله الشاق لبناء الدولة بقيادة زايد ورفاقه أن يكون نموذجاً للتعايش والأخوة الإنسانية.يأتي اللقاء التاريخي في أبوظبي ليقول إن الأديان السماوية كلها رسائل للخير والمحبة، وأن اللقاء بين مختلف الحضارات والثقافات هو الطريق الأمثل للمعرفة والتقدم.

يأتي اللقاء في بلد اختار أن يعانق الحداثة في أرقى تجلياتها، وأن يجعل من الدين الحنيف دافعاً لأن نؤدي رسالتنا التي أمرنا الله بها. نعمر الأرض، ونعلي من شأن الإنسان ونمضي ـــ بقلوب عامرة بالإيمان – لننفتح على العالم، ونعلي من قيمة الحوار والفهم المشترك.

ويأتي اللقاء في وقت يمر فيه العالم كله بفترة اضطراب كبير، وتعاني فيه المنطقة من آثار حروب مدمرة، وتدفع البشرية كلها آثار دعوات الكراهية والعنصرية والمحاولات التي لا تنقطع لإثارة الصراعات الدينية، أو استغلال الدين لتحقيق أهداف ومصالح لجماعات ودول مارقة وخارجة على القانون والدولة والدين نفسه.

يأتي لقاء الأخوة والإنسانية على أرض الإمارات، ليقول إن الأديان السماوية بريئة من كل ما فعله تجار الدين ودعاة الإرهاب الذين اساءوا إلى الإسلام وأشاعوا الدمار في العديد من دوله، وتباهوا بالدعوة للعودة لظلام العصور الوسطى، أو بقتل الأبرياء وهدم الأوطان.

ويأتي اللقاء ليؤكد الفارق بين دولة ـ مثل الإمارات ـ اختارت من البداية طريق البناء لا الهدم، وثقافة الانفتاح على العالم، وهدف التقدم إلى مواقع الصدارة اعتماداً على الإنسان العالم المثقف.

وبين دول أخرى اختارت طريق الشر، وجعلت من عواصمها مراكز لقيادات الإرهاب، ومن منابرها منصات لنشر الكراهية، ومن إعلامها أبواقاً للتحريض على الأشقاء. متوهمة أنها ستكبر بالإرهاب، وستقوى حين تسلك طريق الشر، وتبدد أموال شعب شقيق في رعاية منظمات مشبوهة تصدر فتاوى الإرهاب وتسيء لدين الله ولكرامة البشر.

ويأتي اللقاء التاريخي في أبوظبي ليقول للعالم إننا أمة عربية تسعى للخير والسلام، ولا تريد إلا العدل والاستقرار والتقدم لشعوبها ولجميع الأمم، عروبتنا قدمت إلى العالم يوماً أزهى حضاراته، واحتضنت كل الأديان السماوية، وانفتحت على كل ثقافات العالم.

نحن أول من نعرف أن الدين محبة، وأننا نحتاج لتكاتف كل قوى الخير في العالم لكي نقضي على قوى الإرهاب، وعلى دعاة الكراهية والعنصرية ولكي نوقف حروب الدمار التي كبدت شعوبنا أفدح الخسائر، ولكي نبني دولنا بالعلم والعمل والإيمان الحقيقي، وننشر قيم التسامح والإخوة بين أوطاننا.

وقبل أيام فقط كان الإمام الأكبر، الدكتور الطيب يستقبل في الأزهر الشريف الرئيس الفرنسي ماكرون الذي كان يزور القاهرة، واستمع الرئيس من الإمام الأكبر وأيضاً من قداسة البابا تواضروس بطريرك الكنيسة القبطية إلى حديث الوطنية المسؤولة والدين الحقيقي ورسالته التي لا تعرف إلا المحبة والاعتدال.

وفهم الرجل كيف تجمع مصر أبناءها معاً، وكيف فشل الإرهاب - كما فشل الاستعمار من قبل - في شق الصف أو زرع الفتنة.

وكيف حاول الإخوان بعد سقوطهم أن يجعلوا من حرق الكنائس باباً لضرب وحدة الوطن وكيف كان الرد مزيداً من التلاحم بين كل أبناء الشعب، ومزيداً من التفاهم بين أزهر شريف هو عنوان الوسطية، وكنيسة مصرية يقول راعيها البابا تواضروس إن وطناً بلا كنائس خير من كنائس بلا وطن.

نعرف أننا سنقضي على المقاتلين من فصائل الإرهاب اليوم أو غداً.. لكن فكر الإرهاب سيظل يهددنا ويهدد العالم لفترة غير قصيرة. وهناك الكثير من العوامل تساعد هذا الفكر الظلامي على التواجد.

مازالت هناك دول ترعى الإرهاب وتستخدمه لخدمة مصالحها وما زال هناك حكام ربطوا مصيرهم بمصير جماعات الإرهاب، وما زال هناك ظلم لا بد أن يرفع عن شعب فلسطين، وقدس لابد أن تظل عربية. نحن نقاتل معاركنا، ونقدم النموذج العربي في رفض كل دعاوى العنصرية وكل جماعات الإرهاب.

ندرك التحديات الهائلة التي يواجهها كل من الإمام الأكبر وبابا الكنيسة الكاثوليكية. الأزهر الشريف يقود المسلمين إلى وسطية الدين الحنيف، ويواجه مسؤولي تجديد الفكر الديني في أصعب الظروف ويحمل للمسلمين والعالم كله رسالة الاعتدال والانفتاح على كل الثقافات ومختلف المذاهب.

والبابا فرانسيس أيضاً يدرك المسؤولية الهائلة التي يتحملها. اليمين العنصري يتعاظم دوره في العالم الغربي. دعوات «الإسلاموفوبيا» تغذيها – للأسف الشديد – جرائم الجماعات الإرهابية التي تدعي الإسلام، في تحالف مشبوه يجمعها مع العنصريين المتطرفين من الصهاينة، ومن الذين يحاولون إعادة الحياة للنازية والفاشية وتفوق العنصر الأبيض.

الأزهر الشريف يواجه كل دعاوى التطرف والعنصرية وجماعات الإرهاب بزعامة الإخوان ودعم من يناصرونهم ويفتحون عواصمهم لهم، ويواجه أيضاً دعاة الفتنة المذهبية ومن يريدون أن ينشروا الفوضى في أرجاء الوطن العربي من أجل نفوذ فارسي، أو خلافة عثمانية أو تفوق صهيوني!!

والفاتيكان يخوض معركة الخلاص من ميراث سنوات من التعامل السلبي مع المنطقة من جانب الغرب، ويخوض أيضاً معركة مواجهة صعود اليمين العنصري في أوروبا وأمريكا الذي يهدد كل قيم الاعتدال والتسامح والمساواة بين البشر.

وحين يلتقي الرجلان في دار زايد، فنحن أمام رسالة، أساسية تقول إن الأديان السماوية لا تعرف التعصب أو الكراهية، وأن صحيح الدين لا يقودنا إلى كهوف الجاهلية هنا أو هناك بل يقودنا إلى التفوق والحضارة في أسمى معانيها.

تحتضن الإمارات اللقاء باستحقاق، لأنها احتضنت صحيح الدين وهي تبني دولتها بالعلم والمعرفة، وتدعو للإخاء وتقدم نموذجاً يحتذى في محاربة التعصب والكراهية.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات