التجريح والنقد

ذكر عالم الاجتماع العراقي الشهير الدكتور علي الوردي قصة طريفة، لأب وبّخ طفله ذات يوم بسبب تعثره الدراسي فقال له: «إن نابليون عندما كان في مثل سنك نجح إلى الصف الخامس بينما أنت الآن في الصف الثاني من المدرسة». فأجابه ابنه على البديهة: «ولكن نابليون يا أبت عندما كان في مثل سنك أصبح إمبراطوراً».

تذكرت هذه القصة التي سردها د. الوردي في كتابه «خوارق اللاشعور» حينما وصلتني نكتة نقدية شبيهة تحكي قصة رجل خليجي مسن لم يعرف كيف يسحب مبلغاً من المال بواسطة بطاقة السحب الآلي البنكية.

فطلب من شاب في مقتبل العمر أن يسحب له المبلغ. فنظر إليه الشاب ملياً فضحك وقال بنبرة تهكم: «عمي الناس وصلوا القمر وأنت إلى الآن لا تعرف كيف تسحب من البنك؟!» فغضب «الشايب» بشدة وقال «وليش ما ذلفت معاهم إلى القمر»!

هاتان القصتان تظهران الفارق بين النقد والتجريح الذي لا يبدو أننا صرنا نفرق بينهما مع ذروة الانفتاح الإعلامي الهائل. فبعد أن صار في جيب كل منا جهاز بث مباشر (الهاتف) لا ينتظر موافقة مكتوبة من وزارة الإعلام، صرنا نقرأ ونشاهد ونسمع كيف يصب أحدنا جام غضبه على مسؤول أو موظف لم يتمكن من إتمام معاملته. فصرنا لا نفرق بين التجريح الذي يصاحب فورة الغضب، أحياناً، والنقد الذي يأتي بعد هدوء النفس.

ومن صور التجريح أن نُعَرِّض بمسؤول على الملأ فنقول: «مشكلتك أنك كذا وكذا»، أو «أسوأ ما فيك هو كذا» أو «يبدو أنك لم تعد تستوعب كلامي» هنا انتقلت المواجهة من التركيز على المشكلة إلى الفرد. هنا تشتعل نيران الملاسنة.

أما النقد فيتمثل في قولنا: «أنا لدي وجهة نظر تختلف قليلاً عن وجهة نظرك». فمهما كان نوع النقد، تصبح هذه المقدمة تمهيداً مريحاً لقبول ما بعدها من انتقادات لاذعة. وهذا لا يكون بمعزل عن الإيماءات. فمن ينتقد بابتسامة أدعى للقبول ممن ينتقد بصوت مرتفع وانفعال يوتر الأجواء المحيطة.

من حق الإنسان أن يسجل موقفاً حازماً، قولاً أو كتابة، ليبلغ الطرف الآخر بكل صراحة بأنه «قد بلغ السيل الزبى» أو أحداً قد تجاوز الخطوط الحمراء في صلاحياته أو اجتهاداته أو علاقاته.

كما أن البعض قد يلجأ للتجريح عمداً للفت أنظار من يتجاهل انتقاداته البناءة. فمشكلة النقد أو التنفيس إذا تم تجاهلها قد تدفع الناس إلى التعريض الحاد أو التشهير بالمسؤول «الأصم» وذلك في وسائل التواصل الاجتماعي أو في عقر داره. وهو أمر في غاية السهولة، خصوصاً مع وجود حسابات تمارس «الحرب بالوكالة» دفاعاً عن المظلومين أو المهمشين في المجتمع أو بيئات الأعمال.

عندما ننتقد بموضوعية يمكن أن نغلق بعضاً من محاولات الاصطفاف ضدنا. أما اللجوء لخيار التجريح فهو كما يفتح نيران المواجهة على مصراعيها.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات