رأي

جرعة من الشجاعة

ما ذكرته صحيفة «الغارديان» البريطانية في عددها أمس، مهم جداً، حتى لو لم يأت بجديد على صعيد التوصيف الموضوعي الذي بات بديهياً لسياسات «إسرائيل»، كقوة احتلال، في فلسطين. لكن ثمة جديد على شكل نقطتين، في تعاطي الصحيفة مع المسألة، الأولى يتمثّل بإضاءتها على مفارقة صارخة بين وصف «إسرائيل» لنفسها كـ«دولة ديمقراطية»، وممارساتها على الأرض، والثانية أنها كسرت الصورة النمطية إعلام غربي يدافع عن «الجمل الإسرائيلي بما حمل»، من خلال تكرار أسطوانة مشروخة تسمي جرائم الاحتلال «دفاعاً عن النفس». «الغارديان» تجرأت وقالت «الديمقراطية الإسرائيلية قتل من دون عقاب وكذب من دون عواقب»،

ثمّة ألسنة براها الجدل العقيم مع أناس، ومنهم فلسطينيون وعرب، يكرّرون ببراءة أو بنطق مغرض، الاستشهاد بالنموذج الإسرائيلي في الديمقراطية، ويغلّفون موقفهم بضرورة «الاعتراف بإيجابيات العدو»، على سبيل الاستفادة.

من يعرف طبيعة الداخل الإسرائيلي ولا ينحني لاعتبارات حزبية أو مصلحية ضيقة، يعرف أن الديمقراطية الإسرائيلية كذبة، ليس إزاء من يعيشون تحت احتلالها وحسب، بل حتى بحق التجمع الاستيطاني الذي يشكّلها. هذا التجمّع لا تحظى كل مكوّناته بنفس النظرة والحقوق، بل هناك تمييز عنصري عميق بين يهود غربيين في الأعلى، وشرقيين، في الوسط، وفلاشا أفارقة في الأسفل.

ثمّة حقيقة تاريخية تجسّدها مقولة «إن أمة تضطهد أمة أخرى لا يمكن أن تكون نفسها حرّة»، هذا إذا افترضنا جدلاً أن اليهود أمّة. لكن هؤلاء، ليس لدافع ديني لدى جالبيهم، أقاموا دولة على أنقاض شعب متجذّر في أرضه منذ آلاف السنين. أما السماح لفلسطينيين بالترشح في انتخابات الكنيست، فهو جزء من عملية «المكيجة».. يشتمون ويرفعون صوتهم ضد «إسرائيل»، لكن صراخهم الذي لا يغيّر شيئاً توظّفه إسرائيل، في ديكورها «الديمقراطي».

«إسرائيل» منذ إنشائها وضعت لجيشها - المنبثق من العصابات- عنوانين رئيسيين، بعدما أسمته زوراً «جيش الدفاع»، الأول أنه لا يقهر، وهذا سقط في السنوات الأخيرة، والثاني أنه «الأكثر أخلاقية في العالم»، وهذا ما يخضع لصراع بين الميدان والدعاية، حيث ساهمت أغلبية وسائل الإعلام الغربية في تكريسه عبر إخفاء من يكذّبه في وقائع الميدان.

ولعل ما كتبته «الغارديان» في افتتاحيتها يمنح وسائل إعلام أخرى جرعة شجاعة وموضوعية، ولا نريد استخدام كلمة «ضمير».

طباعة Email
تعليقات

تعليقات