محطات في كتاب «قصتي »

لطيفة.. ذكريات الأم ترسمها الكلمات على جدار القلب

لا أدري ما الذي جعلني أتوقف عند المحطات «5» و«6» و«7» من حديث صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، رعاه الله، في كتابه «قصتي»، عن والدته المغفور لها الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان، رحمها الله، والذي استغرقتُ فيه وتأثرتُ به وأعدت قراءته، ووجدت نفسي ميالاً بل مدفوعاً بحكم هذا الاستغراق والتأثر وتأثير الحديث على مشاعري، أن أكتب عنه ما تجود به القريحة ويسيل به القلم في مجال ما نقله سموه، وتحدث به من حديث شجي وقصص مؤثرة عن والدته الشيخة لطيفة.. تلك المرأة الفاضلة التي أطلق عليها لقب «أم دبي»، وهي جديرة بهذا اللقب الذي سماها به؛ لأنها بقدر ما هي أم لأولادها، فإنها بذات القدر أم لكل أبناء دبي الذين يشرفون بأن تكون الشيخة لطيفة، رحمها الله، أماً لهم ويكون المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، أباً لهم دون أدنى شك في ذلك، لأنهما يمثلان في دبي هذه الرمزية الجميلة بالنسبة لكل أبناء دبي..

وقد غطّى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بحديث مؤثر عن طفولته وعلاقته بأمه الحنون، وكونه الأثير لديها بين إخوته، ومدى ما يحمله في قلبه لها، ولا يزال من ذلك النبض الدفاق من الحب الذي يسري في خلجاته ويتغلغل في عروقه.. يقول: «كانت محبتها عظيمة لجميع أبنائها، لكنني كنت الأقرب إليها، لم أر حباً كحبها ولا قلباً كقلبها ولا قرباً كقربها».. والسبب في كون سموه الأقرب إلى قلبها، أنها فقدت قبله ولداً هو مروان، بقيت حزينة لوفاته عدة سنوات، يقال بعدها إنها حلمت بأنها تنجب ابناً جديداً تسميه «محمد»، وأنجبت ولداً سمته محمد بن راشد آل مكتوم..

شفافية

وترق مشاعر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد رقة غير معهودة حين يتحدث عن أمه بتلك الصورة من الشفافية والانجذاب، حتى إن القارئ ليستغرب من أن تكون هذه الحروف التي يقرؤها هنا، لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، الذي يعرفه قائداً قوياً ذا بأسٍ وموقف صلبٍ ومراسٍ شديدٍ، والذي يعشق التحدي، كيف يكون هنا بمثل هذه الرقة والهيام بالأم، والحديث عنها بهذه الصورة الشجية اللافتة، والارتباط بها ذلك الارتباط الروحي المتوغل في شغاف القلب وحنايا النفس.. ولله در صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، حين يكون على مثل هذه الصورة والشاكلة التي هي في غاية الحسن والجمال الإنساني، لأن هذه الصورة المعبّرة هنا عن مكنون الذات وصدق المشاعر وشفافية الوجد والأحاسيس كانت مخفية عن الناس في أعماق النفس لم تظهر من قبل بمثل هذا الذي ظهرت وتجلت فيه، في ثنايا هذا الحديث الآسر الشفاف الذي يؤثر تأثيراً مباشراً في وجدان القارئ.

سيرة عطرة

لقد نقل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، عن والدته أخباراً عطرة من حنانها وعطفها ورحمتها وبساطتها، ورسم صورة لها كانت مخفية غير ظاهرة لعموم الناس، بحيث يتسنى للقرّاء أن يتعرفوا من خلال كتابة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، عنها، إلى رقة مشاعرها وفيض حنانها ورحمتها، ومدى عنايتها بأسرتها وأطفالها وارتباطها بعائلتها، ويقفوا على شيء من تصرفها وسلوكها وخدمتها في بيتها بنفسها، ومعرفتها بالطب الشعبي وتخصصها فيه، ومعالجتها لكثير من المرضى..

يقول سموه: «وكانت معروفة بمهاراتها الطبية، وكان الناس يجتازون مسافات بعيدة مع أطفالهم وأقربائهم لتصف لهم أدوية ومراهم من خلطات الأعشاب»، ويصور الحياة العادية من دون بذخ ولا إسراف في بيتها، بحيث تظهر بعض تفاصيل حياتهم في هذا البيت من خلال ما سطّره سموه، وكأنهم أفراد عاديون كسائر المواطنين في ذلك الوقت، سواء بسواء، دون تميز ولا رفاهية.. وقد يتصوّر بعض الناس أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، ولكونه من عائلة الحكم، عاش في صغره حياة مدللة ومرفّهة، ولكن حسب تصوير سموه، ونقله أخباراً من داخل أسوار بيته وأسرار عائلته، كان يعيش حياة عادية جداً، بحيث يذكر أن والدته عندما أراد أن يسافر إلى لندن في صغره اشترت له كندورتين جديدتين وسترة أنيقة، وكان فرحاً إلى غاية بعيدة بهما، وقصّت من الكندورتين القديمتين ليستعملهما أثناء ركوب الخيل والإبل، وينقل لنا أن والدته كانت كل صباح تعد فطور الصباح لعائلتها بنفسها، دون أن تعتمد على غيرها في هذه المهمة اليومية.

مدرسة الصحراء

كما يذكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، أن والده في صغره كان يذهب به إلى الصحراء، ويعهد به إلى حميد بن عمهي، أحد شيوخ المناصير، ليتعلم فنون الصيد، ويعتاد شظف العيش في الصحراء، والتعامل مع الهوام والحيوانات، ليندمج مع جو الصحراء المتقشف، وليتعلم من ظروف معيشتها على يدي ابن عمهي وتحت إشرافه، الصبرَ، ومن لأوائها التحمل والمجالدة، وهو في مثل تلك السن الصغيرة كما يتضح من صورته المنشورة في الكتاب مع حميد بن عمهي.

ويتحدث لنا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، كيف كان حميد ينقل إلى فراشه بعض العقارب الصغيرة التي تلدغه أثناء نومه، وكم كان يتألم من شدة لدغاتها وبأسها، فيفركها حميد بالرماد الساخن ليخفف من حدتها، أملاً منه أن يعتاد جسمه عليها ويأخذ مناعته منها.. وقد اكتسب سموه تلك المناعة، بحيث لم تعد تؤثر فيه لدغات العقارب حتى اليوم.

وقد خصص صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، لأمه، في هذا الكتاب ثلاث قصص أو قل حلقات، وذلك ما يبين مدى أهميتها لدى سموه، ومدى حبه لها، حتى إنه جعلها أجمل نساء الكون في نظره.. فينقل لنا في حديثه عن أمه، مشهداً له معها، حيث يذكر أنه كان يصحو من نومه مبكراً قبل إخوته ويجلس معها وهي تعد فطور الصباح للعائلة، وتخبز الرغيف، يتبادل معها أطراف الأحاديث، ويسمع منها حديثاً بقي حياً في نفسه وأعماقه حتى اليوم الذي نفّس فيه عنه بحكايته وتسجيله في هذه المذكرات، ليقرأه هذا الجيل والأجيال القادمة.. يقول سموه: «كنت أحب الاستيقاظ مبكراً، أصحو قبل جميع من في المنزل، لأجد الشيخة لطيفة مستيقظة قبلي تعد لنا الفطور، رغم وجود من يخدمها في البيت».. ويضيف: «لا أزال أذكر رائحة خبزها، وأذكر حديثها معي في الصباحات الباكرة، كنت أستمتع بالحديث معها»، فما أبدع حديثك يا سيدي، وأرق مشاعرك وأصدق أحاسيسك في تصوير هذه المعاني والمضامين العظام في حياة الإنسان مع أمه وتذكر لحظاته معها..

طعم الحياة

ويجد القارئ فيما يحكيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، عن أمه، حديثاً يستمتع بروايته ويتلذذ به ولا يجد حرجاً من أن يذكر بأنه يجلس في حضنها.. يقول: «ما زلت أذكر وأنا جالس في حضنها تحدثني عن أول رحلة لي إلى لندن».. أو يصور كيف ذرف دموعه غزيرة حين وفاتها بقوله: «سَجّيْتُها في مثواها الأخير ودموعي لا تتوقف».. ويذكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، في معرض حديثه عن أمه: «الأم أعظم إنسانة في الوجود، ومن لم يذق طعم حبها لم يذق طعم الحياة مطلقاً».. وتلك حقيقة لا مراء فيها، فإن أم الإنسان تعدل الوجود بأكمله، وطعم الحياة ومتعتها مخبوءان في طي حبها ورضاها، فإذا أحبتك ورضيت عنك انفتحت لك مغاليق الكون أجمعه، ورضيت عنك الحياة، فما أعظم حب الأم ورضاها عن ولدها.. وحين يفقدها الإنسان يفقد الحياة بأكملها من حوله، ولم يبق له من متع الدنيا إلا ذكرياته معها التي يحتفظ بها في مخيلته، ويعاود تذكرها بين فينة وأخرى.. ولا يختلف صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، في هذا الحب عن غيره من الناس، ولكن القارئ يشعر من خلال هذا الحديث عن والدته مقدار الحب الذي يحمله في قلبه لها، وفيض هذا الشعور المتدفّق منه إلى درجة الارتباط الروحي بها، والحديث عنها بمثل هذه الصورة الوجدانية الآسرة للنفس.. يقول في تفسير معنى اسم «لطيفة» في حياته: «هي أمي وقلبي الذي في صدري وأجمل وأنعم وأرق وأرفق إنسانة في حياتي».

ويقف المتمعّن على أن صورة والدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، في عينه، كما يصف ذلك، كاملة في صفاتها وأوصافها وخصائصها، خالية من أي نقص، فهي أجمل من رأى، وأكمل من عرف، وأرحم إنسانة، إلى غير ذلك من الأوصاف السامية والكاملة التي يغدقها سموه عليها، من منطلق الحب الطاغي في قلبه لها، بحيث لا يرى بعينه أحداً يساويها أو يقترب منها يقول سموه: «كانت أمي أميرة وجميلة، كانت أمي أجمل الملكات، كانت أمي أطول النخلات، كانت إذا تمشي يرافقها غزال وعناية الرحمن».

ويضيف سموه: «ابتسامتها حياة كانت أجمل ما في الحياة»، ويتابع: «من يشبهك يا أمي؟ من مثل أمي؟».

وينفي أن يكون في عينه أحد مثلها أو يشبهها، فهي المتفردة عنده عن كل أحد.. تشعر بأن العذب الزلال ينساب في كلمات سموه وهو يتحدث بحب وشغف عن أمه ويكرر في حديثه هذا اسم «لطيفة» مرات كثيرة، لتلذذه ومتعته بذكر هذا الاسم على لسانه.

منزلة

يحق لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أن يفخر ويعلي من شأن أمه؛ لأنها أمه وكفى، فللأم في قلب الولد منزلة لا تضاهى، وللإنسان أن يقول في حق أمه ما يشاء من عبارات الغزل والفخر والمديح دون أن يبلغ مرتبة صفاتها وخصائصها الإنسانية وحبها له، فلا يمكن أن يوفيها حقها إلا الباري جلّ في علاه، الذي جعل الجنة تحت أقدامها.. فقد نقل لنا صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، في هذا الحديث، صورة واضحة لهذه الأم الرؤوم، بحيث يتمكن القارئ من أن يدرك في ذهنه جمال هذه الصورة الواضحة عنها، من خلال حديث سموه، كما أنه في مقدور القارئ أيضاً أن يعرف شيئاً واضحاً وكافياً عن أخبار بيت الحكم في دبي، الذي يقوم على أواصر الحب بين أفراده، وتعدي فيض هذا الحب لغيرهم من الناس في دبي.

وينقل عنها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، أن والدته رحمها الله، كانت تستقبل النساء وتستمع إليهن وترفع حاجاتهن إلى الحاكم المغفور له الشيخ راشد، لتلبيتها من قبله.. ويحكي سموه عن شيء من كرمها ومدى علاقتها بالناس فيقول: «كانت تعالج مريضهم وتداوي صغيرهم وتواسي فقيرهم وتسمع لنسائهم وتشاركهم أفراحهم وأتراحهم.. كنتُ أراها عندما تشرف على إعداد الطعام تأبى إلا أن تشارك الجيران والأقارب والضيوف طعامنا».

وكانت الشيخة لطيفة، رحمها الله، تربي مجموعة من الأيتام في قصرها، ترعاهم وتغدق من حنانها عليهم.. وعندي أن هذه المحطات التي خصصها صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد لوالدته من أهم المحطات في الكتاب، إذ غدت هذه الحلقات في نظري مركز مشاعر جياشة وأحاسيس نابضة في كل ما كتبه في هذا الكتاب، حيث يمكنني أن أجعلها بمثابة القلب النابض في جسد الإنسان، ولا شك بأن القارئ يتفاعل مع ما ورد فيها من وجدان دافق بأصدق المشاعر وأرهفها ويندمج مع صفاء الحب وحرارته وعمق تأثيره في نفسه حتى وإن كان تأثير الحزن طاغياً عليه، إلا أنه حزن جميل ومحبب؛ لأنه يستذكر من خلاله أغلى مخلوق لديه وهي والدته.

معانٍ صادقة

تمكّن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، بقدرة فائقة وأسلوب جذّاب ومعانٍ صادقة، أن يرسم مساحة واسعة من مشاهد عديدة عن طفولته وعلاقته بأمه وعائلته، تكفي في مجملها لإعطاء صورة وافية عن شيء من الأخبار والحوادث والمواقف والعلاقات عن الذين يتحدث عنهم وينقل شيئاً من أخبارهم وأحوالهم.. وربما كانت هذه الأخبار المنقولة في هذا الحديث مخفية في ذاكرة أهلها الباقين على قيد الحياة، بعيدة عن الناس لا يعرفون عنها شيئاً إلا اليسير غير الكافي والذي لا يروي الظمأ في هذا المجال، طبقاً للتقاليد الاجتماعية المتعارف عليها في مجتمعاتنا الخليجية.. لكن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد اخترق هذا الستار بشكل جريء، وأرّخ في حديثه لأخبار عائلته في هذا البيت الكريم، وعلى رأسهم والدته ووالده، رحمهما الله، ونقل ما وقف عليه وعاشه بنفسه معهما، ووثّق لهذه الأخبار حتى لا تختفي وتضيع في طيّ النسيان بمرور الوقت ووفاة المعاصرين لها، وأعطى بهذا الحديث صورة جلية للقرّاء تكفي لتكوين فكرة عن هذه العائلة الكريمة، وبالذات عن والدته المغفور لها الشيخة لطيفة بنت حمدان، التي يعشقها سموه، ويذوب حباً وهياماً بها، كما يبين ذلك من حرارة وشفافية حديثه عنها.. ولم يجد صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أي حرج في التحدث في تلك الخصوصيات العائلية، ونقل شيء من أخبارها وسيرتها؛ لأن ذلك في حقيقته ملك للمجتمع والناس، كونها عائلة الحكم والرئاسة في البلاد التي يحبها الناس وينزلونها منزلتها من التقدير والاحترام والتبجيل.. فمن حقهم -تبعاً لذلك- على أفرادها وخاصة على مثل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، أن يذكر لهم عنها ما يتيسر من أخبارها ومواقفها التي تزيد من محبة الناس لهم، وتقديرهم فوق ما هم عليه من هذا الحب والتقدير.

مرُّ الحياة وحلوها

كما أن من المواقف المؤثرة في النفس، ما يحكيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد عن والده المغفور له الشيخ راشد بن سعيد، رحمه الله، ذلك الجبل الأشم الثابت المعروف بصلابته وقدرته على مجابهة الظروف الصعبة، كيف أثرت فيه وفاة زوجته الشيخة لطيفة التي ارتبط بها ارتباطاً وثيقاً في مُرّ الحياة وحلوها على مدى 4 عقود من الزمن، وكان وقتها قد استعاد شيئاً من صحته التي ألمّ بها ظرف صحي طارئ، فجاءه ظرف وفاة زوجته ليهدّ من حاله وكينونته ويذيقه أشد الألم والمعاناة بفراقها.. يقول سموه عن ذلك: «كنت خائفاً جداً على والدي عند رحيلها، لم نكن نتركه دقيقة واحدة، خوفاً عليه من تلك الصدمة التي تلقتها دبي، وتلقاها شعب دبي الذين أحبوا بصدق أم دبي الشيخة لطيفة بنت حمدان».

ويذكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد كيف انهمرت الدموع من عين والده وكيف تغيرت حاله بعدها، حتى كان راشد بعد رحيلها غير راشد قبل حياتها.

ويستكمل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد حديثه بأن والده بعد وفاتها بأيام استدعى مدير بلدية دبي وقتها السيد كمال حمزة، وطلب ورقة وقلماً وقال له اكتب وصية المرحومة، وما كاد ينتهي من ذكر اسمها حتى انفجر باكياً وأغرقت الدموع عينيه بانهمارها بغزارة، حتى إذا هدأ قليلاً بتهدئة الحاضرين له، وهمّ ثانية بأن يقول له اكتب وصية المرحومة، يعاوده البكاء مرة أخرى، وهكذا لم يستطع أن يملي شيئاً تحت وقع هذا التأثر والبكاء الشديد، وقد أثر هذا المنظر في نفس صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، حسب ما نقل سموه في هذا الكتاب، من الذي حصل له من مشاهدة والده على هذه الحالة الصعبة من التأثر.. ويروي بعض المقربين من الشيخ راشد أن وفاة الشيخة لطيفة أثرت فيه تأثيراً كبيراً، حتى لم يعد راشد ذلك الذي يعرفونه قبل وفاتها، فقد أتعبه رحيلها وألم ذكرياتها إلى درجة تدهورت معها حالته الصحية.. وفي ذلك لا شك شيء كبير من الوفاء والإخلاص من الشيخ راشد لشريكة حياته وأم أولاده وسيدة بيته التي كانت معه في سراء الحياة وضرائها.

نشيج الحروف

أخي القارئ هذه محطة من محطات روايات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في هذا الكتاب المهم والممتع، والتي أعتبرها من أهم المحطات فيه، وآثرها وأغلاها عند سموه وأبلغها تأثيراً في وجدان القراء، حيث أودعها الكاتب شيئاً كبيراً من الشفافية والرقة، فجاءت عباراته فيها على درجة من التأثير بالغ الأهمية، حتى إنك لتكاد تسمع بين تدافع الحروف صوت نشيج وبكاء الكلمات، وبالغ تأثر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد من فرط تذكره والدته وتأثره بسياط تلك المواقف التي حكاها الشيخ للقراء عنها، وسجلها في هذا الكتاب، يقول سموه: «في مايو عام 1983 فقدت أمي، فقدت حبيبة قلبي، فقدت نظر عيني»، ليس بعد هذا الحنان والرقة والتحسّر والآهات المكتومة تعليق يقال.. وسموه بهذه الدرجة من الشفافية ورقة المشاعر يصور اللحظة الحاسمة بالغة التأثير فيه وفي حياته، وقت أن نزل معها إلى داخل قبرها وسواه وسجاها فيه ودموعه لا تكاد تكفّ، إذ أثناء خروجه من القبر وقعت في تلك اللحظة ساعته من يده إلى جانبها، فأخذ ينظر إليها ومشاعر الحزن تخنقه، وأسى اللحظة يعتصر قلبه، يقول سموه: «خرجت من القبر وعند خروجي سقطت ساعتي بجانبها، انعقد لساني من هول اللحظة، لم أستطع الكلام، نظرت إليها ونظرت إلى ساعتي بجوارها، وألم فظيع يعتصر قلبي، وصوت ما يهمس في داخلي شيء مني معها».. إذ كانت هذه الساعة كما يحكي في يده يوم سفرها للعلاج وكانت تنظر إليها بحبّ وشغف، وكأنها تستأذنه في أن تأخذها منه لتتذكره بها في غربة علاجها وبعدها عنه..

ولا أدري أين هي تلك الساعة الآن، وودت لو كانت موجودة لتبقى ضمن مقتنيات صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، بحيث تظل تحمل نبض تلك الذكرى الغالية عليه ذكرى الوفاء للأم التي تبقى حية في حنايا أبنائها وبناتها، وتظل ذكرياتها نابضة رغم الحزن والألم بأجمل اللحظات وأجلها في الحياة.. يقول: «تغير بيتنا بعد رحيل أمي، تغيرت حياتنا.. عندما يرحلون ينطفئ شيء ما في حياتنا وفي بيوتنا، تتغير ملامح الطرقات والبيوتات والوجوه، حتى الطعام يتغير طعمه، يرحل شيء منا معهم تبقى ذكراهم لتقوينا على مواجهة الحياة بعدهم».. ما قلته حقيقة يا صاحب السمو، يتغير كل شيء من حولك عندما ترحل أمك، تصبح الحياة جافة ومؤلمة وتنطفئ في قلبك قناديل الفرح، وتذبل السنابل في بساتين السرور ويغدو الزمن صعباً وثقيلاً، فما أروعك وأنت تصور كل تلك المعاني وترسم كل تلك المشاهد واللحظات الحزينة.. يقول سموه: «الأم تعبها يؤلمنا وحزنها يكسرنا ومرضها يرهقنا، نخاف عليها من نسمة الهواء، فكيف إذا فقدناها وكيف إذا رحلت وتركتنا، ألم رهيب وفراغ عظيم وإحساس باليتم وأنت كبير، هذا ما تشعر به عند فقدها».. ما أجمل وأحزن ما دبجته من عبارات في حق أمك، وما وصفتها به من معانٍ وخصال ومضامين يشكرك عليها كل ابن وبنت؛ لأنهم يجدون في معانى كلماتك وعباراتك ما ينطبق على أحوالهم مع أمهاتهم، فكأنك يا سيدي تحدثت بلسان كل من فقدوا أمهاتهم.. ما أروع تصويرك بالفراغ الذي يخلفه رحيل الأم والإحساس بيتم الكبير عند فقد أمه، إذ يكون أبلغ وأشد من إحساس الصغير بذلك.

شرف

حديثك سيدي عبارة عن قصيدة شعر صادقة نابعة من أعماق النفس وخلجات الفؤاد فالإنسان الذي يتحدث عن أمه يذوب رقة وحناناً.. وقد مرَّ بي أثناء قراءتي للكتاب في (ص 94) تعبير لسموك، يحمل شحنات كبيرة من التبجيل والاحترام لوالده، حيث يقول: «ركضت لأجلس عند قدمي والدي»، تعبير ينقل للقارئ مدى تقدير الولد لوالده واحترامه ومحبته، حين يصور للناس أنه يركض ناحية والده يجلس عند قدميه.. وتلك عبارة تكتب بماء الذهب وتعلق في صدر المجالس، لأنها تبين شدة الاحترام الذي يكنّه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، لوالده رحمه الله، وليسمح لي سموه أن أقول إن ذلك شرف وأي شرف، أن يكون كذلك أمام والده؛ لأن في ذلك غاية الرفعة والعلو في عيون جميع الناس، بأن يكون بهذه الصورة مع والده، في حين تغيظنا وتؤسفنا بعض قصص عقوق الوالدين المعاصرة التي نسمع عنها في هذه الأيام إذا ما قارنّاها بهذه الصورة الجميلة الرائعة لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد مع والده.. يكتنف هذه الصورة ملمحان من بر الوالدين الأول الركض للوالد حين تريده أو يريد منك شيئاً، والثاني هو ما تحدثنا عنه وهو الجلوس عند قدميه، فإنه يبين التواضع له والتفاني في تقدير جانبه وكلا الحالين فيه شيء كبير من البر والإحسان، يريح الضمير وترضيه النفس وتكشف شيئاً من حب الأبناء البررة لوالديهم ليكونوا مثالاً وعبرة لغيرهم في هذا المجال، وذلك ما أمر الباري -جل وعلا- به في قوله تعالى: «واخفض لهما جناح الذل من الرحمة».

أي كن ذليلاً معهما رحيماً بهما، إذ يشمل ذلك كل تفاصيل وصور الذل والرحمة لهما، مع أن الله تعالى لا يأمر المؤمن بالذل إلا في هذه الحالة التي تعد من أكبر أنواع الرفعة والعلو في الحياة.

درس آخر من دروس صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، يقف عليه القارئ في (ص 88) تعلمه سموه من عائلته ويعلمه هنا لغيره بصورة عملية، أثناء قراءة هذا الكتاب، حيث يحكي عن مشاركته وهو صغير في أول سباق للخيول يقام في دبي على شاطئ الجميرا، شارك فيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد بفرسه «أم حلج»، وحقق المركز الثاني فيه، حيث أعجب سمو الشيخ حمدان بهذه الفرس، وقرر ضمّها إلى مجموعته، ويرى صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد أن ما يريده منه سمو الشيخ حمدان ليس طلباً، وإنما قرار وأمر بالنسبة له، ويبرر ذلك بقوله: «فهذا ما تعلمناه في الصحراء، طاعة الكبار أهم من كل شيء ويشرفني أنه يريدها».. ويردف قائلاً: «العلاقة التي تربطك مع خيلك قد تكون قوية وعظيمة، ولكن علاقة الأخوّة أقوى وأعظم، أعطيت له فرسي سعيداً»، ولا شك في أن علاقة ورابطة الأخوة تسمو على كل ما عداها من علاقات؛ لأنها تأتي من خلال الوالدين وبسببهما، ورغم انصياعه لهذا الأمر بضم هذه الخيل لأخيه، إلا أن ذلك لم يمنع قلبه من الشعور بالانكسار ناحية فراق فرسه.. يا له من احترام للأخ يصل بالإنسان إلى حد تسليم ما هو أثير لديه لأخيه بطيب خاطر، وأن يكون سعيداً بهذا العطاء الذي لا تكتمل منظومة هذا الاحترام والعلاقة إلا به..

كما أن صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد عندما أراد أن يطلب من أخيه سمو الشيخ حمدان فرساً آخر تحيّن فرصة أن يكون مزاجه مرتاحاً، وهذه من أخلاقيات سموه في تعامله مع إخوانه وخاصة الأكبر منه.. على أن هناك موقفاً قديماً لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد يمكنني أن أضيفه هنا، وهو أننا في فترة سابقة كنا في ديوان سمو الحاكم، في جلسة عادية من جلسات سموه، ومر سمو الشيخ حمدان خارجاً من مكتبه، ونادى على أخيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، فانظر أخي القارئ ماذا حدث من صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، فزّ من جلسته واقفاً، ووضع يده على غترته وأسرع راكضاً نحو أخيه على صورة من الاحترام لفتت نظري، وحكيتها لغيري وقتها من باب الإعجاب بمثل هذا التصرف الجميل الذي ينم عن احترام الكبير وتقدير رابط الأخوّة بينهما، على هذه الصورة الجميلة التي تستحق أن تنقل عنهما.

محطات

قرأت هذا الكتاب وكتبت قراءة في مقدمته التي شدتني، وكانت نيتي بداية تتجه لدراسة هذه المحطات، ولكن لفت نظري حديث سموه عن والدته، رحمها الله، فكتبت عنها هذا الحديث الذي اكتفيت به، ولم أشأ أن أضيف شيئاً عليه، ليبقى تأثيره وأثره باقياً في النفس من خلال حديثي وقراءة فيها؛ لأنني أجد نفسي سابحاً في فيض هذا الحزن العميق المتأتي لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد في رواية قصص والدته معه، رغم تطاول الزمن ومر السنين، فإن حديثه عنها يجدده ويجعله كأنه وليد اليوم واللحظة.. ولا شك في أن حديث الإنسان عن والدته حديث بالغ الأهمية والأثر والتأثير، ومهما مر عليه من الزمن يبقى حياً نابضاً متجدداً تجدد الذكرى في مخيلة الولد؛ لأن صورة الأم وذكرياتها مرسومة في عقل وقلب ووجدان أولادها، لا تغيب ولا تُنسى وتظل جمرة متقدة في الحشا، ولكن وقدها كالثلج ورائحتها كالعطر، جميلة أخبارها حية قصصها منيرة ذكرياتها كالبدر في منتصف شهره..

وما زال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد يتذكر في حديثه كثيراً من لحظاته مع والدته التي ظلت راسخة مرسومة في نفسه حتى اليوم.. يقول سموه: «ما زلت أذكر عطرها، ما زلت أشم بخورها، ما زلت أعشق خبزها»، يا له من ارتباط ويا لها من ذكرى تجعل لرائحة الخبز الذي تعده طعماً ومذاقاً ورائحة لا يزال يعشقها سموه حتى اللحظة.. يقول سموه: «ما زلت أذكرها وهي تبحث عني ليلاً إذا تأخرت، لتجدني أغطّ في نومي عند خيلي في الإسطبل».

ويضيف سموه: «ما زلت أذكر آخر لقاء لي معها قبل سفرها إلى إنجلترا للعلاج، قبّلتها، لثمتها، ضممتها، احتضنت يدها».. ويتذكر سموه جنازتها فيقول: «كانت جنازة مهيبة حضرها الآلاف، وبكى الآلاف على أم دبي الشيخة لطيفة بنت حمدان آل نهيان».. مجموعة كبيرة وكثيرة من الذكريات تختزنها مخيلة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد عن أمه، رحمها الله، فيسجّل بعضها في حديثه في هذه المحطات المهمة في الكتاب.

شجون

رحم الله والدة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد، الشيخة لطيفة بنت حمدان «أم دبي»، ورحم الله أمهاتنا جميعاً، فقد أثار سموه بهذا الحديث شجوننا، ونكأ جراحنا، وأدمى قلوبنا، وأعاد لنا ذكريات ماضية مع أمهاتنا، وكأنها لا تزال تحدث اليوم أمام ناظرينا، فلا أدري أأقول لسموه شكراً على أنه أحيا فينا هذه الذكريات فنبهها من مرقدها، أم أقول لسموه «سامحك الله»، إذ جددت أحزاننا بهذا الحديث؟! وأياً ما كان ذلك، فإن للأم هذه المنزلة العظمى التي أوضحها سموه في حديثه عن أمه رحمها الله، وأجلى ذكرياتها في ثوب من الحب والشوق والحنين.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات