المعرفة مشروع بنية تحتية

اتفاقات التبادل الثنائي والتشارك الجماعي التي تشهد توقيع اتفاقات وإشهار شراكات أمر معتاد. فمنها ما يكون اتفاقات بالمليارات أو شراكات تبقى عشرة أو عشرين أو ثلاثين عاماً، ومنها ما يكون بغرض التقاط صورة أو اثنتين أو ثلاثاً على أقصى تقدير، ثم تتبخر في هواء الإشهار. وأشهر الاتفاقات التي تبرم بين الدول تكون ذات طابع اقتصادي، فالمصالح الاقتصادية المتشابهة والفوائد البشرية المحسوسة تضمن إلى حد كبير نجاح الإبرام وبقاء الاتفاق. لكن حين تكون التبادلات معرفية والاتفاقات معلوماتية والشراكات تعليمية وعلمية فإن الوضع يكون مختلفاً تماماً.

صحيح أن التبادلات المعرفية والمشاريع العلمية والتعليمية تتكلف أموالاً كثيرة وربما باهظة، وصحيح أيضاً أن فيها فوائد اقتصادية وأرباحاً مالية، لكن تبقى الفائدة البشرية والقيمة المعرفية أعمق وأكبر وأبقى.

بقاء العالم العربي على حاله فيما يختص بالتعليم ومستواه وجودته لم يعد ممكناً. كما أن استمرار مكانة المعرفة وقيمة العلم في مكانات متدنية في العديد من الدول أصبح قاتلاً. ولعل ما يجري في أرجاء العالم العربي من حروب هنا، وصراعات هناك، وإبقاء على فقر وجهل وإغراق في تفاهات هنا وهناك هي نتائج مباشرة لموقف البعض المعادي للعلم والمعرفة.

لكن معرفة ما يدور هذه الآونة من صحوات معرفية ويقظات علمية ودفعات تعليمية تضمن دخولنا العصر الرقمي بسلام تضيء ضوءاً ساطعاً في نهاية النفق المعتم. في تقرير تصدره «يو إس نيوز» لتصنيف أفضل دول العالم في مجال التعليم في مطلع العام الماضي، خلت المراكز العشرة الأولى من أي من الدول العربية. وكانت الدول بالترتيب هي: سويسرا، كندا، ألمانيا، بريطانيا، اليابان، السويد، أستراليا، الولايات المتحدة الأمريكية، فرنسا، وهولندا.

المعايير التي اعتمد عليها التقرير في التصنيف كانت: المواطنة، التأثير الثقافي، ريادة الأعمال، التراث، التأثير، الانفتاح على الأعمال، القوة، وجودة الحياة. عربياً، تصدرت الإمارات القائمة وحازت المركز الـ23 عالمياً، ثم السعودية ثم مصر. وقد استبعد التقرير دولاً عربية من التصنيف كلية بسبب الظروف المعيشية والصراعات التي تخوضها.

ما يعنينا هنا هو أن كلاً من مصر والإمارات تجمع بينهما عوامل عدة وظروف كثيرة تدفع بهما نحو تكامل وتعاون وتشارك معرفي وعلمي وتعليمي. ودائماً تشهد أروقة المؤتمرات والقمم والفعاليات ذات الطابع العلمي والمعرفي الكثير من اللقاءات التي تصب في خانة التعاون المؤدي إلى التكامل والمصلحة الموحدة لمستقبل البلدين والمنطقة.

هذه المصلحة تتجلى واضحة تماماً في آفاق التعاون والتشارك في مشاريع كبرى مثل بنك المعرفة المصري، وإمكانات الاستفادة من الفيض الهائل من العلم والوسائل التعليمية المواكبة تماماً للعصر الرقمي ومشاريع الإصلاح الشامل التعليمية التي تخوضها مصر. وحين يتحول التفكير من مجرد اتفاقات اقتصادية وتعاقدات استثمارية إلى خطوات تتخذ من أجل الدمج المعرفي، حيث تُعمم الاستفادة من محتوى بنك المعرفة المصري لصالح الطالب والمعلم العربي، والتفكير في دمج محتوى مكتبة دبي الرقمية ضمن منصات بنك المعرفة لتتضاعف الفائدة.

فوائد المعرفة كثيرة، لكن فوائد تبادل المعرفة ومصادرها أكثر وأعمق وأقوى أثراً. وقد كان لي شرف حضور لقاءات تجمع الجانبين المصري والإماراتي في الأيام القليلة الماضية، وكم كانت سعادتي وأنا استمع إلى ترجمة فعلية لما ينبغي أن تكون عليه المصلحة العربية الواحدة النابعة من تبني ثقافة المعرفة، واعتناق مبدأ التعليم كما ينبغي أن يكون في القرن الـ21، والقفز خطوات إلى الأمام لتعويض ما فات المنطقة، وتدشين مشاريع قومية كبرى لا تقف عند مراحل بناء الطرق والمستشفيات ومد خطوط الكهرباء ومياه الشرب وغيرها من مشاريع البنى التحتية، ولكنها تكتب تعريفاً جديداً للبنى التحتية العربية جذورها المعرفة وثمارها الفوائد الاجتماعية والاقتصادية التي تجعل المواطن جاهزاً ومؤهلاً للتعامل مع مستقبل بنيانه المعرفة والتعلم المستمر.

هذا التعلم المستمر الذي تقدمه مشاريع كبرى مثل بنك المعرفة المصري ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة ومكتبة دبي الرقمية وغيرها من الثروات المعرفية التي بدأت فكرة وتحولت إنجازاً يدوّنه تاريخ تطور الأمم. ومن ضمن ما سيكتبه التاريخ أن مثل هذه الجهود العربية المعرفية هي التي جسرت الهوة بين العالم الأول وبيننا، وهي التي نجحت فيما أخفق فيه الاقتصاد التقليدي والسياسة بأشكالها والحرب بأنواعها.

أنواع التعليم التي اعتدناها عربياً لم تعد قائمة، ولو استمرت لن تقوم لنا قائمة. الإمارات حقّقت طفرات وقفزات على هذا الصعيد، وتمكنت من نقل نظامها التعليمي إلى حد كبير من التقليدي المتحجر إلى المعرفي المتحرك والمتطور بحسب الاحتياج. ومصر خطت أولى خطواتها في إصلاح التعليم الذي طال انتظاره بمشاريع قومية معرفية كبرى. وحين تتضافر جهود البلدين، فإن هذا يعني أن المنطقة برمتها على الطريق الصحيح، طريق اعتماد المعرفة بنية تحتية أساسية.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات