حقوق.. لا طموحات!

يُحكى أن أجنبياً سأل مواطناً عربياً: بعد التخرج في الجامعة، ما طموحاتك؟ أجاب: أن أجد عملاً، أن أتزوج، أن أبني بيتاً، أن أعلم أبنائي، أن أن أن..، قاطعه الأجنبي غاضباً: هذه حقوقك وليست طموحاتك، حدثني عن طموحاتك.

في دول العالم المتقدم يولد الإنسان وفي فمه ملعقة من صحة ورعاية وتعليم وسكن وعمل، أما في دول العالم المتخلف فإنه يولد وعليه ديون، ضرائب يتجاوز عددها العشرين ورسوم سقف وطوابع وتلفزيون وتليفون (مع إني معنديش تليفون) على رأي عادل إمام في «شاهد ما شفش حاجة». تنتهي حياته من دون أن يحقق طموحاته، أقصد حقوقه!

شر البلية ما يضحك. وما يضحك أكثر أن هذا المواطن نفسه لم يعد لديه طموح منذ أن تم الزج به في أتون السياسة وما سمي «الربيع العربي». توقف عن العمل ليصبح ثائراً، وعدوه بالثروة فانضم للثورة، وبالحرية فقيدوا يديه بأصفاد ذهبية، لم يحمل مسدساً في حياته فسلحوه ودربوه فارتد الرصاص إلى صدره وقتل أحلامه. من لم يكن متزوجاً، تزوج الثورة فأنجب الخيبة، من كان يريد أن يعلم أبناءه أصبح جاهلاً بما سيفعل بحاله، ومن كان يريد أن يبني بيتاً صارت الغربة بيته. كان رقماً صعباً في وطنه ففقد الوطن، صار رقماً على طاولة المفاوضات الدولية حول اقتسام وطنه. نيرون لم يمت وكل ما في الأمر أن روما احترقت. صدق محمد الماغوط حين قال: «عندنا اقتصاد وطني، صناعات وطنية، تربية وطنية، أحزاب وطنية، مدارس وطنية، أناشيد وطنية، أقلام وطنية، دفاتر وطنية، مدافئ وطنية، بترول وطني، أحذية وطنية، شحاطات وطنية، حمامات وطنية، مراحيض وطنية، ولكن ليس عندنا وطن.».

هل كان الفقر هو السبب؟ ثَمَّةَ دولٌ كثيرة في العالم انتقلت من خانة الفقر إلى الغنى شرط أن تتوفر لها الإدارة الوطنية الصادقة. ولو توفرت مثل هذه الإدارة لدول الربيع لما حدث ما حدث، ولما نجحت دول السلاح والمال في اختراق مجتمعات جذورها ضاربة في التاريخ. جمهورية موريشيوس كانت دولة فقيرة في مواردها، حيث اعتمدت زمناً على زراعة القصب مصدراً وحيداً للدخل، لكنها غنية بقيمها ومبادئها، فهي توفر التعليم مجاناً لجميع المواطنين حتى نهاية المرحلة الجامعية، وهي لا تعفيهم من سداد نفقات التعليم فحسب، ولكنها أيضاً تتحمل عنهم تكاليف نقلهم من منازلهم إلى مدارسهم.

يتساءل باحث اقتصادي: ماذا يعني اصطلاح الدول الغنية والدول الفقيرة؟ في البداية كان الاقتصاديون يقيسون اقتصاد الدول من حيث الغنى أو الفقر بإجمالي الناتج المحلي في كل دولة، أي بإجمالي ما تم إنتاجه في الدولة من سلع وخدمات خلال عام واحد، ولكنهم وجدوا أن هذا المعيار خاطئ ومضلل، فقد لاحظوا أن الناتج المحلي في الهند مثلاً أكبر ست مرات من الناتج المحلي لسنغافورة، ومع ذلك فإن سنغافورة هي الأغنى، وبالبحث تبين لهم أن السبب وراء هذه النتيجة المضللة يكمن في تعداد السكان، فتعداد السكان في الهند أكبر 240 مرة من تعداد السكان في سنغافورة، لهذا عدل الاقتصاديون عن هذا المعيار فأصبحوا لا يعتمدون في المقارنة بين الدول من حيث الثراء أو الفقر على الناتج المحلي للدولة، وإنما على ما يسمى بإجمالي الناتج المحلي للفرد، أي إجمالي الناتج المحلي للدولة مقسوماً على عدد السكان. وقد كشفت إحصاءات منظمة الأمم المتحدة أن الدول التي تحتل المراكز الأولى في مؤشرات التعليم والثقافة ومستوى المعيشة والرعاية الصحية هي التي يكون إجمالي الناتج المحلي للفرد فيها هو الأعلى، ومن هنا بدأ البحث: لماذا هناك دول غنية ودول فقيرة؟

يعتقد البعض أن عدم امتلاك الدول الفقيرة للموارد الطبيعية هو سبب فقرها، ولكن الواقع كذب هذا الظن، فلو أخذنا المثال من الدولة ذاتها، وهي سنغافورة، لتبين لنا أنها الثالثة على مستوى العالم من حيث الثراء، أي من حيث إجمالي الناتج المحلي للفرد على الرغم من أنها لا تمتلك أي موارد طبيعية. كما أن إجمالي الناتج المحلي للفرد في أمريكا أكبر 18 مرة من إجمالي ناتج الفرد في بنغلادش، وأكبر 8 مرات من إجمالي الناتج المحلي الذي كان يحققه الفرد في أمريكا ذاتها منذ مئة عام، ومعنى هذا أن العمال في أمريكا اليوم يكسبون 8 أضعاف ما كان يكسبه أسلافهم منذ مئة عام، أي أنهم ينتجون 8 أضعاف ما كان ينتجه أسلافهم منذ مئة عام، وليس إنتاجهم فقط هو الذي زاد، وإنما جودة الإنتاج أيضاً ارتفعت، ومن هنا اكتشفوا أن الإنتاجية هي السبب الأساسي لثراء الدول الغنية وفقر الدول الفقيرة.

يخلص الباحثون الاقتصاديون إلى أن الفرد هو الأساس من حيث الاهتمام به وتوفير الحياة الكريمة له وتحفيزه على الإنتاج، لا تحقيره واستغلاله لفئة معينة فاسدة. وحين يحرك الاقتصاد السياسة تنجو الشعوب، وحين يحدث العكس تتحكم الدكتاتوريات ويعم الفساد وتتهاوى الدول.

 

* كاتب أردني

طباعة Email
تعليقات

تعليقات