«أنصاف الأكفاء»

«خرج الحصان للحرث وخرج الحمار للسباق فخسرنا المحصول وخسرنا السباق». هذه المقولة البليغة تصور لنا واقعاً أليماً نعيشه حينما يوكل الأمر إلى غير أهله. هنا قد تقع الكارثة. فلا أنت نلت مرادك ولا بلغت خط النهاية.

والأسوأ حينما يتجرأ نصف الموهوب أو الخبير على قبول كرسي لا تمليه قدراته. هنا تحدث مشكلات عدة. فالقيادي «نصف الكفؤ»، قد يصبح أسيراً للخوف، والتردد، عند اتخاذ القرارات الكبرى بسبب نقص إمكاناته وقدراته. والأسوأ حينما يحيط نفسه بحفنة من الضعفاء بدلاً من ثلة من الأكفاء. ولذا قال أحد أشهر الرؤساء التنفيذيين في القرن العشرين الذي قاد أمجاد شركة GE العالمية، جاك ويلش، بأنه دأب على تعيين من هم أفضل منه ليشكلوا فريق مساعديه ومستشاريه. وهناك من قال: نحن لا نعين الأذكياء لكي نقول لهم ماذا يجب عليهم أن يصنعوا.

إذاً هناك عقدة نفسية قد تطارد نصف الموهوب. وهذا لا يعني أنها تنسحب على سائر من تنقصهم القدرات الكافية لتبوء المنصب، فكثيراً ما نشاهد من يُفَعّل مبدأ التفويض مع الأكفاء من حوله فتكون المحصلة نتائج يشار إليها بالبنان. هذا ما يسمى بالعمل المؤسسي الذي لا يقوم على عاتق فرد بل مجموعة، لأن الشخص عرضة لنواحي ضعف أو قصور لا يملأ فراغها إلا فريق متكامل ومتناغم.

غير أن نصف الموهوب ينبغي أن يكون لديه الحد الأدنى ليقود دفة السفينة. فإذا كان قيادياً بحق فهو ممن يتحلون بالمقدرة على «التأثير في الآخرين» influence، وإذا كان مديراً وجب أن يعرف كيف يدير فريقاً، ويشرف عليه، ويراقبه، ويوجهه نحو تحقيق الهدف. الفارق الجوهري بين المدير والقائد أن الأخير يركز على الصورة الكلية فيما يركز المدير على التفاصيل. فإذا غرق «المدير نصف الموهوب» في التفاصيل زاد الطين بلة.

وليس من الموضوعية أن نحكم على «قيادي مستقبلي» قبل توليه زمام القيادة. فكثير من القادة فاجأوا الجميع بأداء اخترق سقف التوقعات لأنهم منحوا فرصة التجربة. وهذا حق أصيل لكل من نتوسم فيهم الخير في عالم الإدارة.

والتعامل مع أنصاف الأكفاء يجب أن يكون بغاية الحذر. فهو قد يتشبث بمنصبه بصورة لا تكاد تصدق لأنه يعلم علم اليقين مدى ضعف قدراته ومحدودية إيجاده لوظيفة توازي منصبه الحالي. وعليه تلجأ بعض الجهات إلى التكليف المؤقت مثل استغلال فرصة غياب مسؤول رفيع بإجازة طويلة ليتولى آخرون مهامه في ظل غيابه.

وفي جميع الأحوال ليس من الحكمة أن يكون نصف الموهوب بعيداً عن سهام النقد مهما كان مقرباً من دوائر اتخاذ القرار. فبعض القياديين حينما يشعر بأن أحداً لن يلومه أو ينتقده أو يزيحه عن كرسيه يكون عرضة للتخبط أو الفساد. فتتغلغل أجواء الفساد إلى المستويات الإشرافية الدنيا. ولذا قيل السلطة المطلقة مفسدة مطلقة. وكم من مسؤول يسير نحو الهاوية لأنه يتعمد تجاهل نداءات من حوله. كما أن المكوث طويلاً في وظيفة يدفع المرء للفتور والتراخي وهي طبيعة بشرية.

وتبقى أمامنا مشكلة أخرى وهي أن إنتاجية الكفؤ أسرع ممن يعوزه كم هائل من أساسيات العمل، فضلاً عن أسرار المهنة. وهذا لا يعني عدم تعيين «أنصاف الأكفاء» أو الموهوبين، بل يكون توظيفهم ضمن فريق عمل يكمل كل منهم الآخر.

* كاتب كويتي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات