تركيا وشمال سوريا

منذ سبع سنوات لم تكف أنقرة عن النظر للأزمة السورية من زاوية كردية، ولا تفكّر في التعاطي مع هذا الملف خارج المنطق العسكري ومنهج الاجتياح المناطقي على غرار العملية التي شنّتها قبل عامين وأسمتها «درع الفرات».

بعد القرار الذي أصدره الرئيس الأميركي دونالد ترامب بسحب القوات الأمريكية، زادت شهيّة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للانقضاض على السوريين الأكراد تحت عنوان مكافحة «الإرهاب»، وكان لافتاً ذلك الاتصال الذي أجراه ترامب، بعد قرار الانسحاب، مع أردوغان.

لكن، ليس واضحاً بعد ما الذي سيترتّب على تهديد ترامب بتدمير تركيا اقتصادياً، إن هي اعتدت على الأكراد السوريين، مثلما لم تتّضح جدية التهديد نفسه، حيث أن ترامب حين أخذ قرار الانسحاب لم يستشر الأكراد مثلما لم تذهب أمريكا بقواتها هناك لأجلهم. المشهد في الشمال تتقاذفه مصالح متناقضة حتى لأطراف المعسكر الواحد، إذ إن تركيا وأمريكا تجلسان معاً تحت سقف حلف الناتو.

وبهذا المعنى، فإن مؤشّر السلوك التركي تحدّده - مرحلياً - جدية الموقف الأمريكي في حقبة مضطربة ولا تشي بأي موقف يقيني لصديق أو عدو، واستراتيجياً - تفاعلات المشهد برمّته.

وإذا أردنا أن نستشرف التفكير التركي، يمكننا أن ننظر لما يجري في ريفي حلب وإدلب، فهناك تمكّنت جبهة النصرة - «فرع القاعدة» - من سحق الفصائل الموالية لأنقرة، واجتياح كل مناطقها في بضعة أيام تحت سمع وبصر تركيا التي لم تحرّك ساكناً.

هذا الصمت لم يكن عجزاً ولا قصر يد أو بصر، بقدر ما يعبّر عن سياسة ابتزازية تضع «النصرة» في نفس كفّة الأكراد، علماً بأن «القاعدة» مصنّف في كل العالم تنظيماً إرهابياً، في حين أن الأكراد في سوريا مواطنون سوريون، مثلما هم في تركيا مواطنون أتراك.

لقد بات من المؤكّد الآن أن سوريا تتعافى، وليس من مصلحة تركيا وضع العصي في الدواليب، بل إن مصلحتها الاستراتيجية تقتضي التعامل مع سوريا كدولة جارة متعافية ومستقرّة ومتحررة من أي وجود أجنبي. وإذا لم تفكّر أنقرة بهذا المنطق، فإنها ستؤكد تمسّكها بسياسة أفضت إلى «صفر علاقات» بدل «صفر مشكلات».

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات