مواءمة اقتصاد المعرفة مؤسسياً

كان من أهم الأسباب التي أدت إلى ظهور اقتصاد المعرفة، أن النموذج السائد قبل الأزمة الاقتصادية العالمية - من حيث خلق الثروات وتوزيعها، بالإضافة إلى معايير الاستهلاك المرتبطة به - أنهك جميع إمكانيات هذا الكوكب، وكاد أن يستنزف جميع موارده تماماً، كما أنه زاد من حجم الأضرار والانحرافات التي تهدد بشكل أكبر التوازن الاجتماعي، والإيكولوجي، والسياسي الجغرافي. وكان مصدراً للإقصاء والتهميش وعدم المساواة، والثراء غير القانوني.

واتسم عصر المعرفة بسمة تطوير المؤسسات التي تضمن السلوكيات الأخلاقية في المبادلات المالية والتجارية مثل طرق توزيع الدخل والاستهلاك، ومصادر النمو الجديدة التي تهيئ المناخ من أجل اقتصاد الموارد المادية التي يمكن تعبئتها. مستمداً حيويته وعوامل تماسكه وفعاليته من قاعدة جديدة من القيم والمعتقدات.

وبلا شك فإن لرأس المال البشري وإعلاء قيمة المعرفة دوراً رئيسياً، حيث يعمل على هيكلة الأسس ومضاعفة سبل التعاون والفرص لتحقيق أهدافه. وانطلاقاً من هذا المنظور، تبلور الاقتصاد القائم على المعرفة، بصفته نموذجاً أولياً للنمو والتنافسية للدول والمؤسسات في شكله الحقيقي، يؤكد على ضرورة التفكير والاستشارة بشكل منهجي لتحويل هذا الاقتصاد إلى قوة رافعة جديدة.

إن الاقتصاد القائم على المعرفة، بفلسفته وأهدافه إلى جانب أشكال التنظيمات التي يشجعها، يعطي الأولوية للتعاون والحكامة. ويعرف بأنه الاقتصاد الذي تزيد فيه الإنتاجية العالمية لعوامل الإنتاج، ليس بفضل رأس المال المادي وحده، ولكن بفضل ديناميكية خلق، ومعالجة ونشر المعارف، بالإضافة إلى ديناميكية تحويل تنظيم الوكلاء حول المعرفة.

وقد كشفت الأنشطة التجريبية للبنك الدولي بصفة خاصة عن بناء الاقتصاد القائم على المعرفة وسبل تفعيله ومواءمته في المؤسسات على خمسة أسس هي إنشاء مؤسسات عالية الجودة، ونظم للحوافز تساعد على تنمية مناخ الأعمال، بما يضمن بشكل خاص سلامة التعاملات وحرية حركة حقوق الملكية؛ وتنمية نظم التعليم-التدريب التي ترتكز على تعليم وإنتاج الكفاءات بناء على متطلبات السوق؛ وتطوير البحث العلمي والابتكار مع التوجه بشكل قوي إلى الدعم والتشجيع العلني للشركات التي تعتمد على معامل البحث أو التي تعمل بالتنسيق مع مراكز الموارد التقنية والابتكار.

وتطوير تكنولوجيا المعلومات والاتصالات (من حيث البرامج والأجهزة) مع ضمان حرية الإنتاج وحرية حركة المعلومات؛ والنهوض بنظم الحكامة التي تتيح التفاوض والوساطة بين مختلف الأطراف المعنية في عمليات الاقتصاد القائم على المعرفة، كوسيلة لفض المنازعات، وإنشاء شركات أمينة، إذ يعد هذا الأمر هو الهدف الأسمى للاقتصاد القائم على المعرفة.

لقد تطلبت المواءمة والتفعيل لاقتصاد المعرفة دائماً إنشاء بنية تحتية عالية الجودة وتدريب العاملين بما يتناسب مع الاحتياجات التي تحددها المؤسسات والشركات، وخاصة فيما يتعلق بالمؤسسات الصغيرة والمتوسطة وأيضاً إعطاء المزيد من الاهتمام لعامل المعرفة في كافة فروع الأنشطة، مع الحرص على أن تؤدي آليات اكتساب المعرفة النظرية والعملية إلى تحسين إنتاجية العوامل، وزيادة القيمة المضافة.

وتعد عملية تطوير المعارف عنصراً لا غنى عنه وتحقق المصالح المشتركة، وهي تؤثر على التنافسية بقدر تأثيرها على التماسك الاجتماعي لأي نظام اقتصادي. وبالفعل، فإن التعليم والتدريب المهني الملائمين والجيدين يؤديان إلى تحسين النمو الاقتصادي، ويساهمان في الحد من عدم المساواة في كافة صورها.

إن اقتصاد المعرفة هو محرك التنمية وهو مفتاح الابتكار والتنافسية، بمعنى أنه يحافظ على الوظائف القائمة، ويخلق فرص عمل جديدة وكلما تم تكريس المعارف والمهارات لصالح كافة أشكال النظم الاقتصادية، صارت أكثر حداثة، وتنافسية وجلباً لفرص العمل.

ويتعين في المقام الأول تشجيع وتنمية الروح الاستثمارية، وتحفيز الثقافة وبناء المشروعات، وهي العناصر المحددة التي يجب العمل عليها لمنح المنطقة العربية ملامح التنافس التي تستجيب بشكل أفضل لسياق العولمة وتحدياتها.

إن اتخاذ الخطوات المدعومة في سبيل الحد من الاقتصاد الخفي والعمل غير النظامي بالتزامن مع عمليات تحسين السياق المؤسسي، والقانوني والإداري، وتقييم الكفاءات، من شأنها أن تخلق مناخاً مواتياً يقود البلاد على طرق النمو وبناء الثروات.

ويقاس حجم التحدي الذي يفرض نفسه على البلدان النامية بمؤشرات المعرفة، طالما صح أن العرض الحديث يتضمن تكامل ثلاثة عناصر، تشجيع المتعلمين، إذ يعد هذا الأمر هو الضمان لنجاح العملية التدريبية، متطلبات الاقتصاد المتوقعة التي تتغير بسرعة، والمكان الذي يجب تخصيصه لطرق التدريب التي تعتمد على التقنيات الحديثة، وعلى الأساليب التعليمية المبتكرة.

يجب أن تعمل دول المنطقة العربية على مواصلة جهودها المبذولة فيما يتعلق برأس المال البشري، وتكثيف عمليات مكافحة الأمية، وتبني نظام التعليم-التدريب طوال الحياة لتحقيق ثلاثة أهداف هي تكافؤ الفرص في اكتساب المعرفة والمهارات، شواغل العمل التي يحرص النظام على الاستجابة لها، تحقيق الشراكة مع البيئة المحلية والإقليمية، الأمر الذي يتطلب إعادة صياغة المبادئ المنظمة.

إن درجة توغل المعرفة في مختلف القطاعات: الإدارية، والصناعية، والطبية، والزراعية، وخاصة في أهم الوظائف الأساسية: التعليم، والتدريب والبحوث، تعد المؤشر الذي يترجم القدرة على امتلاك المهارات الاستراتيجية، ودمج المعرفة كأصل غير ملموس في تشغيل كل مؤسسة. وللحديث بقية.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات