أمنياً.. ضعف العراق ليس بديلاً لقوته

تحول العراق، الدولة القوية في الشرق الأوسط، منذ فرض الحصار عليه في أغسطس 1990، إلى دولة ضعيفة، دُمرت قدراتها العسكرية والاقتصادية في عاصفة الصحراء، ثم أسقطت بسهولة في حرب خاطفة، كما هو معروف عام 2003. إلا أن زوال القيود التي تكرس ضعفها بعملية التغيير، لم يجعل الطرق سالكة أمامها نحو إعادة البناء والتعافي من حالة الضعف، كما حصل مع ألمانيا واليابان، عقب الحرب العالمية الثانية، فالنزعة لذلك، قابلتها نزعة أقوى نحو الإبقاء على حالة الضعف، سواء عن تصميم وتخطيط لدى البعض، أو غفلة وجهل لدى البعض الآخر.

والحقيقة أن ما شهدناه على مدى الخمس عشرة سنة منذ التغيير، من إصرار على بقاء أو إبقاء العراق دولة في حالة الضعف، ليس غريباً في العلاقات الدولية، خاصة في المناطق التي تشكو من عدم الاستقرار، كالشرق الأوسط، ومع دولة كالعراق، لم تكن تتروى حكوماتها طويلاً قبل اعتماد سياسات متشنجة، والدخول في صراعات مسلحة، ما يقلق الدول المجاورة على أمنها القومي، الذي ترى أبعاده في ضعف العراق وإبقاءه مشغولاً بجراحاته.

انعكس ضعف العراق في ناحيتين مهمتين، فقد أصبح ساحة مغرية للتنظيمات الإرهابية للقيام بأنشطتها التدميرية، ومسرحاً للدول المجاورة والبعيدة لتصفية حساباتها، كما أصبح من جانب آخر، وسيلة لتوسع النفوذ الإيراني، وتعزيز مواقعه إقليمياً. هناك محوران يمكن من خلالهما تقويم العوامل التي تعمل على إبقاء العراق دولة ضعيفة في المنطقة، الأول محلي، والآخر إقليمي، كل منهما ينطوي على العديد من العوامل المتداخلة مع بعضها، إلا أن كليهما من تداعيات الإخلال الخطير بالتوازنات محلياً وإقليمياً، الذي حصل بعد التغيير.

على مستوى المحور المحلي، مظاهر ضعف الدولة، يتجلى في تفشي الفساد في أوصالها على نطاق واسع، وتفكك نخبها السياسية، وتوظيف آليات غريبة لتحقيق المنافع، والتخلي في أحيان كثيرة عن الدستور، والرجوع إلى التوافقات بين زعماء الكتل السياسية، بديلاً عن الالتزام به. أما على المستوى التنفيذي، فتقييد أيدي رئيسها بسبب قوة بعض النخب خارجها، لا يقتصر على التدخل في صناعة القرارات، بل يتجاوز ذلك إلى إضعاف قدرات الدولة وأجهزتها الأمنية، بوجود قوى عسكرية تضاهي ما لدى الدولة، بل قد تفوقها عدداً وتسليحاً، وهي من الناحية الشكلية تابعة للقائد العام للقوات المسلحة، الذي هو وفق الدستور، رئيس مجلس الوزراء، إلا أنه من الناحية الفعلية ليست كذلك.

أما ما يتعلق بالمحور الإقليمي، فبالقدر الذي يخدم ضعف العراق، إيران، وينسجم مع استراتيجيتها في التصعيد ضد هذه الدولة أو تلك في المنطقة، بين الحين والحين، فهذا الضعف يساعدها على تعزيز وجودها في سوريا ولبنان، وتسهيل التواصل مع حلفائها هناك، ويخدمها في خلق المتاعب للولايات المتحدة، والتخفيف من حدة العقوبات الاقتصادية، ترى دول أخرى في المنطقة، خطورة على أمنها القومي على المدى البعيد، مع بقاء العراق دولة ضعيفة، فضعف العراق ليس البديل لقوته ضماناً لأمنها.

حالة الضعف والبقاء فيها ليس خياراً عراقياً، فالتعافي الذي يحتاجه العراق على جميع المحاور بدون استثناء، يتطلب «حضوراً» لحكومة قوية، تتخذ قراراتها استناداً إلى رؤية وطنية، لا تجامل بها هذه الدولة أو تلك. إلا أن ما يكرس استمرار الوضع على حاله، هو بقاء التوازنات على حالها، والاستمرار باتباع السياسات التي أوصلت العراق إلى هذا الوضع من الضعف، هيكل مترهل، وضعف في كفاءة صناع القرار، وخلو برامج الحكومات المتعاقبة من خطط جادة لتحديث البنية التحتية للبلد، إذ لا توجد نوايا لمعالجة مشاكل الاقتصاد المتهاوي، وتوقف آلاف المصانع عن العمل، وزيادة اعتماد العراق على استيراد مختلف البضائع. كما تخلو البرامج من خطط لمعالجة الشح في المياه، والتراجع الشديد في الإنتاج الزراعي، كما تفتقر هذه البرامج إلى إثبات «الحضور»، عن طريق تفعيل أدوات السيادة.

مجمل هذه السياسات، قد أثقلت كاهل العراق بالديون، وأدخلته دائرة الخطر، واحتمال ارتهان ثروته النفطية لدى الدائنين، فقد تجاوز حجم هذه الديون المئة والعشرين بليون دولار، ما حدا بنائب رئيس صندوق النقد الدولي، تحذير الحكومة العراقية في مؤتمر الكويت لإعادة إعمار العراق في فبراير 2018، بأنها ستكون عاجزة عن تسديد ديونها وتسديد الفوائد المترتبة عليها، التي ستبلغ 60 % من عائداته عام 2022.

* كاتب عراقي

طباعة Email
تعليقات

تعليقات