نعم.. لاتزال الأحلام ممكنة

لذت بالصمت، وأحد الزملاء الصحفيين يسألني، بماذا تحلمين للعام الجديد القادم؟ لم يفاجئني السؤال، فهو من نوع الأسئلة المعتادة التي يكرر الصحفيون والإعلاميون طرحها في مثل تلك المناسبات من كل عام، لكن المفاجأة كانت ترددي وصمتي الذي قارب حد الخرس، وبدا لي أنه ينطوي على تصحر في المشاعر، ولا أقول تبلدها أهاجها مجرد طرح السؤال لاكتشف للمرة الأولى أنني عاجزة عن الحلم، برغم السخرية التي يداعبني بها معظم من هم حولي، بوصفي بالمتفائلة الأبدية التي اعتادت أن تفتح ثغرة للأمل في أحلك الأوقات ظلاماً.

هل هو التقدم في العمر الذي يدفع الإنسان إلى الكف عن المزيد من الأحلام، أم هي كثرة الأحلام غير المحدودة المؤجلة، التي كنا نظن في سنوات سابقة أنها سهلة التحقق وقريبة المنال أم هما الاثنان معاً؟

ذكرني الموقف السابق بمشهد بديع في فيلم «الإرهاب والكباب» الذي كتبه «وحيد حامد» وأخرجه عام 1992 «شريف عرفة». والفيلم كما هو معروف، يحكي عن الموظف البسيط أحمد فتح الباب «عادل إمام» الذي يعاني كملايين غيره من الظروف المعيشية الصعبة، لكن صعوبة العيش لم تدفعه للتخلي عن أن يكون مواطناً صالحاً يلتزم بالقوانين، ويسمع كلام الحكومة ويحدد النسل.

وحين يذهب إلى مجمع التحرير لقضاء مصلحة تقتضي موافقة حكومية على طلب نقل أطفاله إلى مدارس قريبة من منزله، يصطدم بكم هائل من العراقيل البيروقراطية، ومن آفات اجتماعية استوطنت الإدارات الحكومية، التي بات شائعاً أن يهجرها موظفوها طوال الوقت بزعم تأدية فروض الصلاة مع أن العمل كذلك عبادة، والالتزام بمتطلباته واحدة من القيم الدينية الأصيلة، التي يؤكدها الحديث النبوي الشريف: «إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه»، لكن الجهل بأصول الدين، والتدين الشكلي السائد يغلبان مسعاه.

تتعقد الأمور حين يشتبك الموظف مع جندي من مسؤولي الأمن بالمجمع الحكومي، فيستولي على سلاحه، وتنطلق منه رصاصة عن طريق الخطأ، فيظن الجميع في الإدارات المختلفة أن مجموعة إرهابية استولت على المجمع، وأنها احتجزت عدداً من الرهائن، فيتم استدعاء قوات الشرطة لمحاصرة المجمع، ويأتي وزير الداخلية، الذي جسد دوره في واحد من أجمل أدواره الفنان كمال الشناوي، ليبدأ التفاوض مع مطالب مختطفي الرهائن في أحد أهم وأكبر المباني الحكومية.

وحين يسأل أحمد فتح الباب الموظفين المحتجزين معه في التجمع عن مطالبهم لإبلاغها للحكومة، يصمتون جميعاً ولا يعرفون الإجابة، لنكتشف نحن أن هؤلاء البسطاء المطحونين لا مطالب لهم ربما غير الستر والإنصاف والرحمة والعدل.

حين أدرت جهاز التليفزيون، وجدت أمامي على الشاشة صبياً فلسطينياً يافعاً وجميلاً، وهو يلقي حجراً على الجدار العنصري الذي أقامته دولة الاحتلال الإسرائيلي لتمنع الحق في الحياة عن الشعب الفلسطيني، لكنه أبى أن يركع أو يستكين، أو يجبر على القبول بالهزيمة، إنه متمسك حتى يوم الحساب، بمقاومة مجهضي آماله، ومغتصبي وطنه، كي تصبح دولة فلسطين المستقلة ذات السيادة، على مرمى حجر.

وتلك كانت الرسالة التي ألقى بها الفتى الفلسطيني الوسيم في وجهي - في وجهنا جميعاً - فذرفت دمعة، ربما لشعور امتزج فيه الفخر بالخجل مما انطوت عليه الرسالة الفلسطينية من دلالات واضحة السطوع، سرعان ما تحولت لسيل من الدموع، أبرأت روحي من لحظة يأس عابرة، وأعادتني إلى التمسك بالأمل، الذي علمنا «سعد الله ونوس» أننا محكومون به.

لذا استعدت فرحة كادت تفلت من يدي برصد الأحلام بمقدم العام الجديد.

نعم أحلم بعام جديد تتوقف فيه الحروب التي فرضت فرضاً على أوطاننا، وتهزم فيه خطط تغيير خرائطها ومعالمها وهويتها ونهب ثرواتها واحتلال أراضيها، وأن ترفرف فيه على بلداننا رايات العدل والحرية والتقدم والازدهار. أحلم بعام جديد تكف فيه أوطاننا عن ثقافة الاستهلاك، لتحل محلها ثقافة الإنتاج.

أحلم بعام جديد تتمكن فيه قوى التقدم والاستنارة في أنحاء الأمة من إحداث نصر نهائي على التيارات المتطرفة المتزمتة التي تسلب بالخديعة والكذب والمال عقول البسطاء، وتجيشها لتردد معها أن الفنون عورة وعمل المرأة عورة والغناء عورة!

أحلم بعام جديد تسود فيه بلادنا ثقافة الحياة، بدلاً من ثقافة الموت والانتحار، والقبول بالآخر المختلف، بدلاً من إقصائه ونفيه وتكفيره.

أحلم كما كان موظفو مجمع التحرير في فيلم «الإرهاب والكباب» يحلمون بالعدل والحرية والإنصاف، وهي أحلام ليست عصية على التحقيق.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات