في التنافس بين النمر الهندي والتنين الصيني

في التنافس حول بناء النفوذ خارجياً ما بين التنين الصيني والنمر الهندي يعتبر أي نجاح تحققه الهند خسارة للصين والعكس صحيح.

لذا وجدنا أن النجاحات التي حققتها بكين لجهة التمدد في بعض الأقطار الآسيوية والأفريقية عبر منح القروض الميسرة، أو عبر مشروع الصين الطموح المعروف بـ«حزام واحد طريق واحد»، نظرت إليها نيودلهي كخسارة موجعة لها، خصوصاً وأنها سلبتها نفوذاً في عدد من الأقطار المجاورة لها، أو في بلدان عــُرفت تقليدياً كمناطق للنفوذ الهندي مثل سريلانكا والمالديف وبنغلاديش والنيبال وميانمار وسيشيل.

غير أن الهند تشعر اليوم بشيء من الابتهاج بعدما تلقتْ أخباراً بأن العديد من الدول التي تمدد الصينيون نحوها تـُراجع علاقاتها مع بكين أو تـُصححها لاعتبارات وطنية وسيادية كما قيل.

من هذه الدول بنغلاديش التي تحاول رئيسة حكومتها الشيخة حسينة واجد تصحيح بوصلة علاقاتها الخارجية باتجاه الهند على حساب الصين، علماً بأن دكا ــ ربما بسبب ضغوط هندية وأميركية ويابانية ــ جمدت مؤخراً خططاً صينية لبناء ميناء في منطقة «سوناديا» البنغلاديشية ومنحت الهند عقداً بقيمة 1.6 مليار دولار لإقامة محطة للطاقة مع الإبقاء على السماح للبحرية الهندية باستخدام ميناءين من موانئها هما «شيتاغونغ» و«مونغلا».

وهناك سريلانكا التي بعثت برسائل اطمئنان للهند مفادها أن ميناء «هامبانتوتا» الذي استأجرته الصين منها سداداً لما عليها من قروض وديون لبنك أكسيم الصيني لن يستخدم في أغراض عسكرية، وأنها رفضت من جانب آخر الاستجابة لمطالب صينية بدخول قوات عسكرية صينية إلى ميناء كولومبو.

أما المالديف، التي تعتبرها نيودلهي ضمن مناطق نفوذها التقليدية في جنوب آسيا وشريكة لها في منظمة سارك الجنوب آسيوية للتعاون الإقليمي، فقد مثلت ضربة موجعة لها حينما راكمت حكومة رئيسها السابق عبد الله يامين خلال خمس سنوات من حكمه ديوناً على بلاده الفقيرة لصالح الصين بقيمة تجاوزت 1.3 مليار دولار أو نحو ربع إجمالي الناتج المحلي للمالديف، وهو ما أثار القوى السياسية المعارضة في هذه البلاد ودفعتها إلى التوحد من أجل الإطاحة بيامين وانتخاب إبراهيم محمد صالح رئيساً بديلاً في الانتخابات التي جرت في سبتمبر 2018، علماً بأن الأخير بدأ عهده بتجميد العديد من المشروعات التي تمولها الصين، وهو ما عـدّ انتصاراً للهنود بعد انتصارهم في بنغلاديش.

وإذا ما تحدثنا عن دول جنوب شرق آسيا التي تخيم على علاقاتها مع الصين بعض الهواجس والشكوك، لا سيما في ظل وجود نزاع بين معظم هذه الدول والصين حول بعض الجزر الصغيرة في بحر الصين الجنوبي، نجد أن أول ما فعله رئيس الحكومة الماليزية مهاتير محمد في أعقاب عودته للسلطة في كوالالمبور هو تجميد العديد من المشاريع المليارية التي كانت حكومة سلفه نجيب رزاق قد وقعتها مع الصينيين. وكانت حجة مهاتير هي أن بلاده في وضع مالي لا يسمح بالمضي قدماً في تلك المشروعات غير الملحة.

وفي إندونيسيا سجلت الهند في الأشهر القليلة الماضية انتصاراً على الصين عبر موافقة جاكرتا على منح تسهيلات للغواصات وسفن البحرية الهندية في ميناء «سابغ» الواقع شمال جزيرة سومطرة، كما منحت جاكرتا نيودلهي صفقات لإقامة مشاريع للطاقة.

وتبدو ميانمار ــ إلى حد ما ــ شاذة على هذا الصعيد. فالهند التي ارتبطت بهذه البلاد تاريخياً منذ زمن الراج البريطاني حاولت ضخ الاستثمارات فيها على أمل صرفها عن التعاون مع بكين زمن حكومتها العسكرية القمعية، ولم تقم نيودلهي أي اعتبار للانتقادات التي وجهتْ لها لتعاونها مع نظام منتهك لأبسط حقوق الإنسان. لكن رانغون واصلت التعاون الوثيق اقتصادياً وعسكرياً مع بكين.

وهي لئن كانت اليوم إحدى الدول التي تطالبها الصين بديون ضخمة، إلا أنها تحاول جاهدة أنْ تخرج من أزمتها هذه بالحيلة. ومن صور حيلها أنها تهدد الصين بإلغاء التفاوض معها حول صفقة لبناء ميناء «كياو كبيو» الاستراتيجي ما لم تخفض الصين قيمة الصفقة من 3.7 مليارات دولار إلى. 1.3 مليار دولار.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات