فجوة القيادة

لعل الشيء الذي يتجلى أمام من يتابع السياسة الأميركية، هو بروز فجوة بين الساسة والقادة العسكريين، حيث إنهم وإن التقوا في ميدان القتال عند قضية معينة، لكنهم قد يفترقون في ميدان السياسة، فاستقالة وزير الدفاع الأميركي جيمس ماتيس طبيعية في ظل الظروف التي تحيط بالإدارة الأميركية على صعيد الأمن القومي وعلى صعيد السياسة الخارجية.

فالأزمة السياسية الصامتة التي أخرجت ماتيس من الدفاع لم تكن سوى تحصيل حاصل لطريقة إدارة الرئيس دونالد ترامب لملف السياسة الخارجية وسياسة الأمن القومي، والتي ظلت طوال الوقت غير متناسقة وتتغير، وما الانسحاب الأميركي المفاجئ من سوريا إلا دليل على ذلك.

تعددت أسباب الاستقالة واختلفت، بيد أنها أجمعت على نقطة واحدة تتعلق بغياب ماتيس عن أي تأثير ومواقف في معظم القرارات التي اتخذها ترامب بشأن سوريا، فمشكلة ماتيس ليست مع ترامب وحده، وإنما مع الإدارة الأميركية واستراتيجيتها العسكرية وسياساتها الخارجية إزاء أحداث المنطقة، فسياسة الإدارة الأميركية الخارجية تمر بمواقف متباينة في عدد من القضايا في المناطق الملتهبة، سيّما بالأجندة الخارجية والاستراتيجيات العسكرية الواجب تنفيذها، ما يؤشر إلى وجود خلافات داخل الإدارة الأميركية.

الولايات المتحدة لم تعد قادرة كما من ذي قبل على احتكار الوضع بوجود قوى أخرى حاضنة لقيم منافسة، ومن الواضح أن الإدارة الأميركية أجرت مراجعة لسياستها، وهي في المبدأ مستعدة للدخول في عقد التفاهم مع الروس، وإن اقتضى الأمر بعض الوقت للبدء بتنفيذ خطة تعتمد على المصالح المشتركة، ما يمثل بدايةً لمرحلة جديدة بنهج مختلف عن نهج التعامل الأميركي مع القضايا الساخنة، فلا حاجة للانغماس فيها وتكون بعيدة عن النقد والتوجس من شعوب العالم، التي أضحت ترفض الأسلوب الأميركي في إدارة النظام العالمي.

اليوم نحن أمام سيناريو أميركي جديد واختبار جديد في إثبات ان أميركا ليست شرطي العالم بحيث بدات تسوق للحرب الناعمة، فالولايات المتحدة دخلت في مواجهة حروب وصراعات كلفتها الكثير، في حين أن دولاً مثل الصين وروسيا كرّست استثماراتها لبرامج التحديث العسكري.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات