«أنقرة - واشنطن» تواصل أم افتراق ؟

منذ التدخل العسكري التركي في قبرص في سبعينيات القرن المنصرم الذي أدى إلى تقسيم الجزيرة لم تتعرض العلاقات التركية الأميركية إلى هزات عنيفة تهدد بانفصامها إلا في السنوات الأخيرة.

مع مجيء الرئيس أردوغان وحزبه لسدة الحكم بدأ وجه تركيا يشهد تغيراً لا يخطئه الراصد على المستويات المحلية والإقليمية والدولية، فهو على خلاف من سبقوه يحمل من تبعات ماضي تركيا وتأريخها العثماني الشيء الكثير وهي بكل تأكيد تبعات ثقيلة.

النمو المتسارع في العلاقة بين أنقرة وموسكو لا يجري بمعزل عن التراجع في العلاقة بين أنقرة وواشنطن، هذه الظاهرة تكتسب أهمية خاصة في ضوء عدد من القضايا التي طرحت نفسها سياسياً في محاور متعددة منها ما يتعلق بالساحة السورية ومنها ما يتعلق بالعقوبات الأميركية على إيران، ومنها ما هو أهم من هذا وذاك وهو ما يتعلق بمستقبل الوجود التركي في حلف الناتو.

ثمة محاور عدة تشترك في إلقاء الضوء على العلاقات المتأرجحة والآخذة بالتراجع بين أنقرة وواشنطن وهي لا تتعلق بقرارات إدارة الرئيس ترامب التي أغضبت الأصدقاء والأعداء ولا بموقف الإدارة التي سبقتها من الانقلاب العسكري ودور فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة، الذي ترفض واشنطن الاستجابة لطلب تركيا بتسليمه.

بل تتعلق بالتغير الذي بدأ يطرأ على طبيعة التوازنات في منطقة الشرق الأوسط والمصالح الوطنية لدولها، فآفاق علاقة أنقرة مع واشنطن لم تعد تتسع لما لدى تركيا ورئيسها من طموحات.

من جانب آخر لم تعد تركيا تكتسب الأهمية الأمنية لحلف الناتو كما كانت إبان حقبة الحرب الباردة، فروسيا لا ترقى في التهديد الذي تسلطه على الغرب إلى مستوى ما كان للاتحاد السوفييتي من مخاطر يتحوط لها الغرب أيديولوجيا بالدرجة الأولى. كما أن الناتو نفسه لم يعد يكتسب لدى إدارة ترامب ما كان له من أهمية لدى الإدارات التي سبقته.

هناك محوران رئيسيان في السياسة التركية لا يحظيان بقبول أميركا، إن لم نقل غضبها، وهما يخصان العلاقة مع موسكو ومع طهران، فالتقارب التركي الروسي يأتي في ظروف تتراجع فيها علاقة الغرب عموماً والولايات المتحدة خصوصاً مع روسيا في أجواء تنذر بعودة سباق التسلح.

حيث بدأت الولايات المتحدة التلويح بإمكانية الانسحاب من اتفاقيات الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى التي أبرمت في ثمانينيات القرن المنصرم.

أما على المحور الإيراني ففي الوقت الذي ترفع واشنطن من سقف العقوبات على إيران تتراجع الخلافات التركية الإيرانية لصالح تعاون وتنسيق بين الطرفين حول الملف السوري وحول الموقف من القضية الكردية.

فالتقارب والتنسيق بين كل من موسكو وطهران وأنقرة، العواصم ذوات الماضي الإمبراطوري يقلق واشنطن بشكل كبير على الرغم من أنه تقارب هش بين قيادات يتمتع كل منها بصلاحيات واسعة على مستوى رسم السياسات واتخاذ القرارات وتنتهج سياسات متصلبة تفتقر إلى رؤى واتفاقيات تعزز ذلك.

كل من الرئيسين بوتين وأردوغان يتمتع بمواصفات شخصية تنزع بقوة نحو توسيع نطاق الزعامة يشاركهما في ذلك المرشد الأعلى في طهران لأسباب أخرى تتعلق بعقيدة الدولة الإيرانية.

الخلاف الأميركي التركي أبعد من قضية عدم تسليم فتح الله غولن لأنقرة وأبعد من قضية قس أميركي قبع لبعض الوقت تحت الإقامة الجبرية في تركيا، فهو يتعلق بما تراه تركيا مساساً بأمنها القومي وهو توجسها من نوايا أميركية لإنشاء كيان سياسي للكرد، أبرز حلفائها في الحرب على تنظيم داعش في سوريا، على حدودها الجنوبية.

ورغم هذه الخلافات بين واشنطن وأنقرة إلا أن كلاً منهما حريص على عدم رفع منسوبها عبر بادرة حسن نوايا بين الحين والحين. واشنطن من جانبها تغض الطرف عن تجاوزات تركية في سياق تنفيذ استراتيجيتها في تدمير القوة الكردية في سوريا منذ اجتياحها عفرين على الرغم من التحفظات المعلنة على ذلك.

فعلى المستوى الاستراتيجي التحالف بين واشنطن وأنقرة، رغم البعد الجغرافي بينهما، أكثر استقراراً وقدرة على الديمومة من التقارب بين موسكو وأنقرة رغم القرب الجغرافي بين العاصمتين.

ففي الوقت الذي تخلو أجواء التحالف الأول من أية خلفيات سلبية تكدر العلاقات التاريخية بين الشعبين الأميركي والتركي تزخر ثقافة الشعبين الروسي والتركي بقصص سلسلة الحروب التي خاضتها الإمبراطوريتان القيصرية والعثمانية والتي بلغ عددها ثلاث عشرة حرباً بين القرنين السادس عشر والعشرين.

* كاتب عراقي

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات