امتلاك القوة.. يبني السلام ويحمي الشرعية

الأمل كبير في أن تكون أبواب السلام انفتحت أمام شعب اليمن الشقيق، وأن نكون أمام الخطوة الأولى في طريق إنهاء التمرد الحوثي، وأن يكون التنفيذ الدقيق لكل بنود التفاهمات، التي تم التوصل إليها في السويد تحت رعاية الأمم المتحدة هو المدخل لإنهاء الصراع في اليمن الشقيق.

منذ البداية كان الإدراك حاضراً لدى قوى الشرعية والتحالف العربي بأن الحل السياسي هو الهدف، وأن التمرد الحوثي لن يسلك هذا الطريق إلا مرغماً، وهو ما حدث بالفعل بعد تضحيات هائلة من شعب اليمن والقوى العربية المساندة للشرعية والمدافعة عن عروبة اليمن والخليج.

التجارب مع التمرد الحوثي وتعامله السلبي مع محاولات الحل السلمي هي تجارب لا تدعو للتفاؤل الكثير، لكن الأمر الآن يختلف وقادة التمرد الحوثي لا بد أن يكونوا قد تعلموا الدرس، وأيقنوا باستحالة استمرار التمرد على الشرعية أو تسليم مقادير اليمن لملالي إيران وحرسها الثوري.

التفاهمات في السويد خطوة أساسية على الطريق، ويبقى أن التنفيذ الدقيق لبنود الاتفاق برغبة صادقة في إنهاء الأزمة هو مفتاح استعادة الأمل وفرض السلام الذي سيتحقق فقط عندما تعود سلطة الدولة على كل شبر من أرض اليمن الشقيق، وعندما يغلق الباب تماماً أمام حكم الميليشيا وعندما يعي ملالي إيران وحرسها الثوري أن اليمن الشقيق لن يكون ثغرة ينفذون منها إلى الخليج العربي، ولن يكون قاعدة لنفوذهم أو محمية تتولى أمرها ميليشيا الحوثي أو غيرها من الميليشيا.

ويبقى الدرس الأهم حتى الآن، وهو أن القوة وحدها هي القادرة على حماية السلام وعلى فرض الشرعية، وهو درس ينبغي ألا يغيب عن عيوننا مطلقاً، خاصة في ظل ظروف دولية وإقليمية تموج بالاضطراب.

الدرس الأكبر الذي ينبغي أن ننطلق منه هو أن امتلاك القوة هو طريق السلام، نأمل أن يكتمل باستعادة اليمن الشقيق لاستقراره وأمنه في ظل الشرعية وبعد القضاء على المؤامرة التي كلفته الكثير، ثم نأمل أن يكون هذا الدرس نقطة انطلاق لبناء القوة العربية القادرة على الفعل، وعلى الحضور بعد طول غياب.

وتزداد أهمية الأمر في ظل أوضاع شديدة الاضطراب في العالم كله ومع مخاطر انشغال القوى الكبرى بهمومها الداخلية وبصراعاتها حول تحديد مكانتها في نظام دولي جديد، سوف يكون على العالم أن يعاني الكثير قبل أن تكتمل معالمه وتستقر موازين القوى فيه.

لسنا في العالم العربي معزولين عن هذا كله، وعلينا أن نكون مستعدين للتعامل معه انطلاقاً من القاعدة الأساسية التي ينبغي ألا تغيب عنا مطلقاً: وهي أن بناء القوة «بمعناها الشامل» هو سبيلنا لفرض السلام ولحماية أمتنا واستقرارنا في وجه كل المخاطر.

أمامنا فترة حافلة بالتحديات وأمام العالم كله سنوات نرجو ألا تطول من الاضطراب. الحروب التجارية التي بدأت بين القوى الاقتصادية الكبرى لم تكن إلا بداية. الأوضاع الآن تؤكد أننا أمام عالم في أزمة كبرى.

الولايات المتحدة تعيش فترة اضطراب داخلي كبير سوف تستمر على الأقل حتى نهاية الولاية الحالية للرئيس ترامب بعد عامين، أوروبا تواجه خطر تفكك وحدتها وسقوط دولها الكبرى في قبضة اليمين المتطرف، الصين توسع طموحاتها الاقتصادية لكي تكون القوة الأولى في العالم، والأهم أنها تواكب ذلك بالسعي لترجمة قوتها الاقتصادية إلى قوة عسكرية تحمي هذا الانطلاق الاقتصادي، وروسيا على العكس تؤكد قوتها العسكرية وتحاول ترجمتها إلى قوة اقتصادية ونفوذ سياسي

ولا شك في أن هذه القوى الكبرى كلها رغم خلافاتها، تبذل كل جهدها لمنع الصدام في ما بينها، ولتبريد الأجواء الساخنة في مناطق الأزمات، لكن الخطأ في الحسابات وارد، والحماقة يمكن أن تقود للكارثة.

ومع ذلك يبقى الأخطر بالنسبة لنا في الوطن العربي هو أن نعي جيداً أن انشغال القوى الكبرى بأزماتها الداخلية، يفتح الباب أمام قوى العدوان الطامعة في توسيع نفوذها أن تحاول استغلال الفرصة، وهو ما يعيدنا للتأكيد على أهمية الدرس الذي ينبغي ألا يغيب عن عيوننا وعقولنا، وهو أن امتلاكنا للقوة الذاتية هو سبيلنا لحماية أوطاننا ولسلامة دولنا ووحدتها وأمن شعوبنا وتقدمها.

ونظرة واحدة في ما حولنا تؤكد ذلك، ملالي إيران وحرسها الثوري توقفت مؤامرتهم مع ميليشيا الحوثي حين وجدت قوة عربية ترفض مد النفوذ الإيراني، وتمنع أن تتكرر في اليمن الشقيق التجربة المؤلمة لما فعلوه بالعراق وسوريا.

وأردوغان ما زال يعبث في سوريا، ويناور بمحاولة إيجاد موقع قدم في أي أرض عربية بالتحالف مع الإخوان وحكام قطر الذين لا يكتفون بكل ما فعلوا، فيحاولون أن يكونوا جزءاً فاعلاً بالتحالف مع الإخوان، والكيان الصهيوني في تنفيذ المؤامرة الهادفة لأن تكون «إمارة عزة» هي البديل عن «دولة فلسطين» وفي تفجير الموقف في الضفة الغربية لتمهيد الطريق أمام نتانياهو ليهرب من أزماته الداخلية بحرب تدشن لصفقة القرن وفقاً للتصور الإسرائيلي الذي ينهي الحديث عن «الدولة» الفلسطينية ويتوهم بإمكانية تصفية قضية شعب فلسطين وباغتيال كل حقوقه المشروعة!

في ظل كل هذه الأوضاع المضطربة، تأتي أهمية فرض السلام في اليمن وإغلاق باب التدخل الأجنبي في الخليج العربي، وأهمية التعامل معها كونها نقطة انطلاق تؤكد أنه لا بديل عن بناء القوة الذاتية العربية.

كل الظروف في عالم مضطرب، وفي منطقة ملتهبة، تفرض علينا أن نستوعب جيداً الدرس الأساسي في ما تحقق في اليمن وأن ننطلق لنبني عليه: امتلاك القوة هو الذي يفرض السلام ويحمي الشرعية.. والحضور العربي بعد طول غياب لا بد أن يكون حضور الأقوياء، الذين يملكون القوة والحق، ويتصدون لكل المخاطر بولاء كامل لأوطان لا بد أن تظل حرة مستقلة، ولعروبة ترفض حكم الميليشيا، وأوهام الطامعين والعملاء.

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات