تطوير المحتوى الإعلامي المحلي.. خط دفاع أول ضد «الغزو الأيديولوجي»

«الإعلام سلاح أيديولوجي»، حقيقة ومسلمة باتت تشكل منعطفاً جديداً في كيفية التعامل مع ما نسمعه ونقرأه ونشاهده في وسائل الإعلام العالمية وكيف تسوقه تلك «النواقل» وانعكاس ذلك على ثقافتنا المحلية، فبين التسويق المتقن والمدسوس بالأيديولوجيات المحرضة لدولة أو ثقافة أو سيادة وطن، وبين تلقي تلك المعلومات عبر وسائل الإعلام التقليدية والحديثة، تكمن الإشكالية.

فالتلقي ليس مشكلة بحد ذاته وإنما كيفية التعامل مع هذه المعلومات، فالتحديات المستمرة للارتقاء بالمحتوى الإعلامي المحلي، وتطوير الكوادر الوطنية وسبل إيصال الرسالة الإعلامية الاستراتيجية إلى خارج الدولة، بناء فكري وعلمي وتقني تسعى حكومة الإمارات إلى توطيد أسسه في الإعلام المحلي، ليكون سلاحاً تقنياً جديداً وفي زمن نشهد به حرباً أيديولوجية وإشاعة للمواقف الضبابية.

ففي أي حدث إعلامي يتحرك الدور الإعلامي في اتجاهين: الأول هو «الدور الإخباري» من خلال نقل المعلومات الكاملة والصحيحة للجمهور ما يساهم في كسب ثقة الجمهور باستقبال المعلومات، والاتجاه الثاني يتمثل في «الدور المعرفي» حيث يتم تشكيل توجهات الفرد تجاه الأحداث وسلوكه حيالها، فالمتلقي لم يعد مُستقبلاً سلبياً كما كانت تراه نظريات الإعلام القديمة، بل بات فاعلاً إيجابياً في صناعة الأحداث من خلال وسائل التواصل الاجتماعية، ولم يعد ينتظر الحدث بل يصنعه.

والمنظومات الإعلامية اليوم انتقلت من نقل الخبر إلى أيديولوجية صناعة الأحداث، ومحرك فاعل في رسم سيناريوهات خفية أو علنية لما تنقله وسائل الإعلام، فحين يصل الخبر اليوم في صورته الأولى، فإن كل منظومة توظفه وتضعه في قالب يخدم مصالحها وأجندتها، والانتقال من الشفافية والموضوعية التي تعد ركائز أساسية في العمل الإعلامي إلى تشويه الحقائق ومحاباة الأنظمة الإرهابية في بعض الدول.

كما برزت على السطح أساليب قمع وإرهاب جديدة تبنتها الأيديولوجيات الإعلامية، بشكل منمق وهو مصطلح «اغتيال الشخصية» وهو اغتيال معنوي منظم مع سبق الإصرار والترصد محفوف بزمرة من الأخبار الهدامة والمدسوسة بالأكاذيب والافتراءات، لحرق رمزية الشخصية، أو الرمز الوطني في دولة ما حتى يخسر مصداقيته أمام شعبه.

وهذا «الاغتيال» الخفي يستتر بين العبارات في خبر أو تقرير أو قصة خبرية أو حوار ليلج لعقل القارئ وقلبه وحواسه، باختلاف الخصائص الديموغرافية، ليخلق حالة من الفوضى الفكرية والضبابية والتشكيك في الولاء.

ومن هنا تأتي أهمية الوعي في تلقي هذه الأخبار والتعامل معها و تطوير إعلام محلي ضد هذه الألاعيب الإعلامية، باعتبار أن دولة الإمارات مستهدفة إعلامياً من الدول الداعمة للإرهاب، والدول التي أخلت في اتفاقيات المصير الواحد والدين الواحد، و«الإعلام المؤدلج» سلاح خطير، فلا يحتاج لباب حتى يستأذن، إنه وباء ينخر في الفكر والعقل والوطن.

من هذا المنطلق تأتي المساعي الحثيثة والجهد الذي لا يعرف الكلل لقيادتنا الرشيدة، في رأب أي صدع تتسلل منه تلك الأفكار الواهمة، حيث أطلقت أعمال الدورة الثانية للاجتماعات السنوية لحكومة دولة الإمارات مجموعة من المبادرات الإعلامية المستقبلية لتعزيز صورة الإمارات ومكانتها عالمياً.

هذا بالإضافة إلى مبادرة لائحة المحتوى المحلي التي تتمثل في إعداد لائحة بمتطلبات المحتوى لتشجيع وإنتاج وبث وصناعة المحتوى الإعلامي، بما يساهم في تنمية صناعة المحتوى وتنمية الكوادر والحفاظ على الهوية الوطنية، بما يساهم في تحقيق تطلعات الدولة المستقبلية وتعزيز مكانتها بما يضمن الوصول إلى مختلف الأهداف والطموحات التي جاءت رؤية الإمارات 2071 لتحقيقها.

كما أن النهوض بالكوادر الإعلامية الوطنية واستقطابها، واستغلال أحدث الأدوات الإعلامية لإيصال رسائل الإمارات وموروثها الثقافي والفكري والحضاري إلى العالم، لبنة أساسية لتوجيه الفكر نحو المسار الصحيح، والتأكيد على أهمية استقاء المعلومات من مصادر موثوقة، وكيفية التعامل مع المعلومات المغلوطة التي تنفثها المنظومات الإعلامية المجندة ضد مصالح الدولة، ولا تربو الشجرة الوارفة من دون غرس محكم لبذرتها.

وهذا الدور المنوط بكليات الإعلام والاتصال الجماهيري في الدولة، إذ إن الحاجة لمنهجية مدروسة ووعي تام بنظريات الإعلام الحديثة وفلسفة تعليمية جديدة تواكب متغيرات العصر وتوافقاً بين الجوانب النظرية والتطبيقية، تشكل خارطة طريق نحو رؤية استراتيجية وفكر متقد للمناهج التعليمية.

إذ إن الحاجة إلى ابتكار قوالب جديدة لصياغة الأخبار وتقديمها بصورة سلسة وواضحة بجرعة عالية من الشفافية، والتخلي عن «المنهجيات القديمة» والتقليدية في نقل الأخبار وتحليل الأحداث وتفسيرها، والتنسيق مع المؤسسات الإعلامية لتدريب الطلبة بشكل مكثف، وإعطائهم الفرصة في البحث والتقصي والمساهمة في العمل الصحفي والإعلامي.

باعتبار هذه المؤسسات «حاضنة» تسبق انطلاقهم لسوق العمل، وأهمية هذه المرحلة في استقاء الخبرات والتعرف عن كثب حول كيفية صناعة الرسالة الإعلامية وفق شروط وأخلاقيات ومنهج يعكس ثقافة وهوية دولة الإمارات نحو العالم، وبناء صورة حضارية بخلفية علمية متمكنة حول إعلامنا الهادف الموضوعي، وتلح في هذا السياق الفكرة «الغائبة الحاضرة» حول أهمية الإلحاح على مشاريع توطين الإعلام والصحافة في الدولة.

فأبناء الوطن أقدر على تلمس احتياجاتهم، ونقلها بصورة واعية، والصحفي المواطن المؤمن بقيم أرضه وسيادة وطنه شريك أساسي في عملية تطوير المحتوى الإعلامي المحلي، وهو الأقدر على نقل صورة الإمارات في المحافل الدولية «فأهل مكة أدرى بشعابها»!

الإمارات بلغت الثريا وحققت قصب السبق في المجالات قاطبة، والأمل يكمن في تطوير بنية الإعلام ومحتواه المحلي، لنقل صورتها المشرفة ودحض كل الافتراءات والأفكار الأيديولوجية ضدها، بفكر واعٍ وإعلام محلي قوي محصن.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات