الدولة الفلسطينية.. جدارة شعب

كانت بدعة الانتدابات، التي صاغها العقل الاستعماري الغربي للسيطرة على بلاد المشرق العربي، غداة سكوت مدافع الحرب العالمية (الأوروبية!) الأولى، إخلالاً جسيماً بتعهدات التاج البريطاني وشركائه للعرب بالاستقلال والوحدة فور تصفية السلطنة العثمانية.

ومن المعلوم أن ذلك النكوص كان في محصلته النهائية كارثياً ومدمراً بالنسبة لفلسطين وشعبها، الذي شهدت له الدوائر الانتدابية بأنه من الشعوب «التي وصلت إلى درجة من التقدم، تسمح بالوجود مؤقتاً في دول مستقلة، على أن تقدم لها إحدى الدول القائمة بالانتداب المعونة الإدارية، مع مراعاة اختيارها لهذه الدولة المنتدبة».

في صيف العام 1919، كانت ثقة الفلسطينيين في بريطانيا قد انحدرت إلى الحضيض، بفعل إصرارها على أن تكون هي القطب المنتدب على بلادهم وتطبيق تصريح بلفور الشهير.

وفي ذلك الحين ذكرت لجنة كنج كرين الأميركية أن الفلسطينيين يرون أنه «إذا لم هناك بد من الانتداب، فإنهم يفضلون أن تكون الولايات المتحدة هي الدولة المنتدبة عليهم». حدث ذلك قبل مئة عام، حين كان الفلسطينيون يثقون في واشنطن، على خلفية مبادئ الرئيس ويلسون العاطفة على حق الشعوب في تقرير مصيرها.

نود القول، أنه في الوقت الذي كان فيه الصهاينة يروجون ويشيعون بأن فلسطين أرض بلا شعب، ويتعين منحها لليهود الذين هم شعب بلا أرض، كان بعض المستعمرين أنفسهم لا ينكرون وجود شعب فلسطيني يصلح بمستواه السياسي للعيش في دولة مستقلة، حتى وإن اشترطوا تأجيل تنفيذ هذه الصلاحية تحت شعار الرعاية الانتدابية.

غير أنهم لم يوفوا بشروط الانتداب مع هذا الشعب، أولاً بأن رفضوا اختياره للدولة المنتدبة، وبشكل أكثر إجراماً حين أنهوا فترة انتدابهم، ثانياً، بتسليم فلسطين للصهاينة وتغييبها وشعبها من الخريطة الدولية.

من الأهمية بمكان أن نستذكر في هذا السياق، كيف أن القوى الغربية صنفت شعوب أقاليم أخرى على أنها ليست مؤهلة للاستقلال ولا تستطيع حكم نفسها بنفسها، ويتعين تبعيتها للدول المنتدبة.

ومن المعلوم أن كل هذه الشعوب، ذات المرتبة الأدنى على سلم التطور السياسي بزعم عواصم الانتدابات، ظفرت لاحقاً بالعيش في كيانات دولية مستقلة. وعليه، يظل تغييب استقلال الحالة الفلسطينية استثناءً لا يمكن تبريره بأي منطق، حتى وإن عطفنا هذه الحالة على منطق وخبرات الانتداب أو الاستعمار والتحرير.

قبل مئة عام، قيل بأن الفلسطينيين يستطيعون ويستحقون حكم أنفسهم، ولو بعد حين قليل من الوقت.

وعلى الرغم من الظلامة التاريخية الفريدة، التي أوقعها عهد الانتداب بفلسطين وأهلها الأصليين، تقول الحقائق الموصولة بمداخلات الفلسطينيين وأدوارهم في السياق الحضاري الإنساني العام، العابر للحدود والهويات السياسية، إنهم راهنا كما كانوا سابقاً، شعب يستحق الحرية والعيش الكريم في دولة مستقلة تحمل اسمهم، وأن الوفاء بهذا الاستحقاق سيمثل إضافة لهذا السياق وليس عبئاً عليه بأي حال.

نجادل بهذا الاعتقاد وفي الخاطر الابتكارات والمساهمات الإبداعية ذات النفع والمردود الحضاري واسع الإشعاع، التي يطل بها بعض الفلسطينيين ضمن كوكبة من أقرانهم العرب، على العالمين بين الحين والآخر.

وعلى سبيل المثال، ليس بلا مغزى في هذا الإطار، أن أحد المصادر أحصى 63 إنجازاً من طبيعة نظرية وتطبيقية في مجالات العلوم والآداب والفنون، اضطلع بها أبناء فلسطين خلال العام 2016 وحده. محققين بذلك تفوقاً وأفضلية ضمن منافسات قوية في مشارق الأرض ومغاربها.

نريد بهذا التنويه وخز الضمير الإنساني والرأي العام العالمي، تجلية الأحاسيس والمشاعر بالتقصير في جنب هذا الشعب. فالفلسطينيون لم يكونوا قبل نكبتهم الوطنية، ولاهم الآن رغم آلام النكبة وتوابعها، عبئاً على الإنسانية أو خلقاً فائضاً عن الحاجة.

ونحسب أن تنسب إنجازاتهم، التي حصل بعضها على جوائز عالمية، إلى المعاناة التي تصنع النجاحات والإبداعات، مسألة فيها نظر أو ينبغي أن تخضع لإعادة النظر، إذ ليس من الضرورة ولا هو من المحتم أن يكتوي أي قوم بكل أنواع البلاء، كي يفصحوا عن جوهرهم الخلاق.

وإذا كان هناك من يعتقد بأن أنماط المحن والنكبات والتشريد والقمع والترويع، سبيل محتمل وإن كان شاقاً لهذا الإفصاح، بالنسبة لأي نموذج إبداعي فردي أو جماعي، فلم لا تكون فضاءات الحرية والأمن واستغلال الثروات وتأطير المواهب الذاتية وحشدها في ظل الاستقلال الدولتي، سبيلاً متوقعاً ميسوراً لتحقيق الغاية ذاتها؟!

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات