تلاقي عقلاء السياسة والأديان ضرورة شرعية

جاء الإسلام ديناً حضارياً سامياً، ذا إشراقات ساطعة على أهله وعلى الناس أجمعين، فهو في نفسه دين سماوي اشتمل على أرقى العقائد والعبادات والأخلاق والمعاملات، كما أنه استوعب الآخرين على اختلاف أديانهم وعقائدهم، ودعا إلى منظومة حضارية راقية في التعامل معهم، مبنية على أساس مكارم الأخلاق والفضائل، والتلاقي معهم على ما يحبه الله من أعمال البر والمعروف وخصال الخير المتنوعة، ومن أعظمها حفظ الدماء والأعراض والأموال، وتعزيز المخرجات الإيجابية التي تحقق هذه الأهداف السامية بين البشر في أرجاء العالم وأصقاعه.

إن تلاقي عقلاء السياسة والأديان لتعظيم حرمات الله بصيانة الأنفس والأموال والأعراض ونشر السلام والاستقرار مطلب شرعي، والحاجة إليه في هذا العصر حاجة ملحة، مع انتشار الصراعات والاضطرابات وتهديد السلم الاجتماعي، وتنامي ظواهر الإرهاب والطائفية والكراهية والتعصب، وما نجم عن ذلك من تقتيل وتشريد وتهجير آلاف البشر بمن فيهم من نساء وأطفال، مما يحتم على عقلاء العالم توحيد جهودهم للتصدي لهذه الكوارث، وإعادة السلام والاستقرار إلى المناطق المنكوبة، ليعود الأمل من جديد لأهلها المهجرين والمشردين والخائفين، والعمل على الوقاية من هذه الكوارث في كل مكان بنشر قيم التسامح واحترام الآخرين وحفظ حقوقهم وحرمة الاعتداء عليهم.

ولقد كانت دولة الإمارات سباقة منذ نشأتها إلى هذا الميدان، بمد جسور التلاقي مع الجميع على قيم الحق والعدل والرحمة والإحسان والتسامح، قال الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه: «ارتكزت سياستنا ومواقفنا على مبادئ الحق والعدل والسلام، منطلقين من إيماننا بأن السلام هو حاجة ملحة للبشرية جمعاء»، وأطلقت دولة الإمارات الكثير من المبادرات والفعاليات لتعزيز هذا الجانب، بما يحقق السلام الإقليمي والعالمي، ويحد من الصراعات، ويحفظ السلم الاجتماعي، ويرسخ منظومة التعامل الحضاري بين البشر على اختلاف أعراقهم وأجناسهم وألوانهم وأديانهم.

وتمتد جذور هذا التلاقي الحضاري مع الآخرين في الحضارة الإسلامية إلى بدايات إشراقاته الساطعة في العهد النبوي، فقد امتدح النبي، صلى الله عليه وسلم، حلف الفُضول، وهو حلف شهده النبي، صلى الله عليه وسلم، في الجاهلية وهو غلام، حيث اجتمعت قبائل من قريش، وتعاهدوا فيما بينهم على التعاون على العدل ونصرة المظلوم، وأن يكونوا في ذلك يداً واحدة، واستمرّ العمل بهذا الحلف بعد البعثة النبوية الشريفة، قال القرطبي: «وهذا الحلف هو المعنى المراد في قوله عليه السلام: «وأيُّما حلف كان في الجاهلية لم يزده الإسلام إلا شدة»، لأنه موافق للشرع؛ إذْ أمر بالانتصاف من الظالم».

وفي صحيح البخاري أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: «والذي نفسي بيده لا يسألوني (أي قريش) خُطَّة يُعظِّمون فيها حرمات الله إلا أعطيتهم إياها»، قال شُرَّاح الحديث: «معنى تعظيم حرمات الله في الحديث: المصالحة، والجنوح إلى المسالمة، وترك القتال، والكف عن إراقة الدماء».

وذلك مما يؤكد أن من أهم الأهداف الشرعية للتلاقي مع عقلاء العالم نشر السلام والاستقرار والأمان، وصيانة الأنفس والأعراض والأموال، فالإسلام دين السلام والسماحة والرحمة، وحفظ كرامة الإنسان، وكفّ الأذى عنه، ولذلك جاء في الحديث: «المسلم من سلم الناس من لسانه ويده، والمؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم».

فالمسلم الكامل لا يتعرض للناس بما حُرِّم من دمائهم وأموالهم وأعراضهم، والمؤمن الكامل هو الذي ظهرت أمانته وعدالته بحيث لا يخاف منه الناس سلب أموالهم وإزهاق أنفسهم والاعتداء على نسائهم، ومن لم يكن بهذه الصفة فهو مسلم ناقص الإسلام، ومؤمن ناقص الإيمان، وفي الحديث تنبيهٌ على اشتقاق هذين الاسمين (الإسلام) و(الإيمان) من (السِّلم) و(الأمان).

فمن زعم أنه متصف بالإسلام والإيمان فينبغي أن يطالب نفسه بما هو مشتقٌّ منه، أي أنْ يسلم الناس من لسانه ويده، وأنْ يأتمنه الناس على دمائهم وأموالهم وأعراضهم، فإن لم يكن كذلك فهو كمن يزعم أنه كريم ولا كرم له.

وهكذا شيدت الحضارة الإسلامية معالم المدنية الزاهية، القائمة على التلاقي مع عقلاء العالم على قيم الحق والعدل والخير والسلام والأمان، وغرس هذه القيم المشتركة في المجتمعات الإنسانية، بما يحفظ السلم الاجتماعي، ويصون الدماء والأعراض والأموال، ويحقق المصالح المشتركة التي ينشدها الجميع، عبر التحاور والتعامل والتعاون والتحالف والتعايش، وهذا الدور الإيجابي للمسلم في مد جسور التلاقي مع عقلاء العالم حول القيم الإيجابية لا يتنافى إطلاقاً مع تمسكه بعقيدته وثوابت دينه، ولا علاقة له بتمييع الدين والمساس به.

بل إن هذا التلاقي من صميم الدين الإسلامي القويم، لأنه قائم على مخرجات شرعية صحيحة، وهي تعظيم حرمات الله بصيانة الأنفس والأموال والأعراض، والعمل بمكارم الأخلاق مع الناس، ومراعاة حقوقهم التي أمر الله بها، وفيه امتثال للهدي النبوي، واقتداء بنبي الرحمة الصادق الأمين عليه الصلاة والسلام.

 

 

 

طباعة Email
تعليقات

تعليقات