كيف نفهم السياسة الخارجية لترامب - البيان

كيف نفهم السياسة الخارجية لترامب

هناك حيرة في فهم السياسة الخارجية للرئيس دونالد ترامب في العالم، والسبب يعود إلى التصريحات المتناقضة التي تصدر من البيت الأبيض. وكما هو معروف فإن الرؤساء الأميركيين المتعاقبين أعلنوا عن سياسات ما لبثت أن أصبحت عقيدة في السياسية الخارجية.

فعلى سبيل المثال، فقد أعلن الرئيس جيمس مونرو في العام 1823، أن أية محاولة من قبل الدول الأوروبية للسيطرة على الدول المستقلة في شمال وجنوب أميركا ستحسب على أنها خطوات عدائية للولايات المتحدة.

وقد أطلق على هذا الإعلان بمبدأ أو عقيدة مونرو. وعلى نفس المنوال فإن مبدأ ايزنهاور كان إعلان من قبل الرئيس دوايت ايزنهاور باستعداد الولايات المتحدة لتقديم المساعدة العسكرية والاقتصادية لأية دولة في الشرق الأوسط تريد مقاومة التهديد الشيوعي لها.

يمكن وصف مبدأ ترامب في السياسة الخارجية ما يمكن تسميته بـ«الواقعية الفظة». فالمدرسة الواقعية، كما هو معروف، تقول بأن النظام العالمي يعيش في حالة فوضى بسبب غياب سلطة مركزية بعكس حالة الدول في سياقها المحلي. وعلى هذا الأساس فإن على الدول حيازة أكبر قدر من المصادر والقوة كي تدافع عن نفسها وسيادتها والأهم بقاءها.

وهناك عدة طرق لحيازة القدرات ومنها تعزيز قدراتها الاقتصادية ومصادرها البشرية وتقوية قواتها العسكرية. ولكن بعض الدول لا تستطيع أن تتمكن من تعزيز هذه القدرات، بسبب محدودية المصادر، فتلجأ إلى عقد التحالفات مع دول عدة لتعضيد قواتها المحدودة ومضاعفاتها عبر هذه التحالفات. أو عقد تحالف مع قوة عظمى لبسط حمايتها من أجل تعزيز قوتها وردع أي اعتداء خارجي كما تفعل تايوان وكوريا الجنوبية مع الولايات المتحدة.

وكان دأب الإدارات الأميركية أن تستخدم اللغة الليبرالية في الخطابة وتسلك مسلك الواقعين في الممارسة. بمعنى أن المصالح الأميركية مغلفة بمفاهيم القانون الدولي والمؤسسات الدولية ومفاهيم حقوق الإنسان وإلى ما هنالك من مفاهيم ومصطلحات ليبرالية.

ولعل حالة احتلال الكويت من قبل صدام حسين في العام 1990 يدلل كيف أن واشنطن كانت تتكلم لغة القانون الدولي وتعد العدة لحماية ما تراها مصالحها العليا. وليس الغزو ما كان يقلق واشنطن فهي لم تأبه به عندما قام صدام بالحرب على إيران في العام 1980، ولم تقف بشكل حاسم ضد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 1982.

أما ترامب فإن واقعيته تعبر عن مصالح الولايات المتحدة بلغة واضحة تنم عن مبدأ نفعي متبادل. وهو تكوين ذهني موروث من عالم المال والأعمال. فالسابقون من أنصار السياسة الواقعية مثل هنري كيسنجر أو جيمس بيكر تشكل ذهنهم في السياق الأكاديمي والقانوني والسياسي. ولكن ترامب، رجل الأعمال، يرى معظم العالم كشركة ضخمة تحتوي على مؤسسات تجارية متعددة ومنتشرة في أصقاع العالم.

وعندما تفشل مؤسسة تجارية في اكتساب مردود مالي فإن الشركة الأم تعمل أحد الشيئين إما أن تعيد هيكلتها وتقلص من نفقاتها وتعيد تشكيل إدارتها أو تتخلص منها بالكامل لئلا تكون عبئاً مالياً على بقية المؤسسات التجارية المنضوية تحت الشركة الأم.

وبالنسبة لترامب فإن الولايات المتحدة لها التزامات متعددة مع كثير من بقاع العالم كهذه المؤسسات التجارية. ومن وجهة نظر ترامب فإن كثيراً من هذه الالتزامات ليس منها مردود أو عائد مادي. وعلى الولايات المتحدة أن تقلص من التزاماتها وأن تعتني ببيتها أولاً. فترى ترامب يردد ـ على سبيل المثال ـ أن حماية كوريا الجنوبية تكلف الولايات المتحدة الكثير ولكن دون مقابل. وحين سئل ترامب عن العدو الأول للولايات المتحدة لم يقل الصين أو روسيا بل قال الاتحاد الأوروبي.

ولكن المدى الفكري المحدود بالمال والأعمال يعجز صاحبه عن رؤية أوسع للعلاقات الدولية. فأصحاب المدرسة الواقعية في السياسة الخارجية الأميركية أمثال جورج كينين ودين ايتشسن وافريل هاريمن، كانوا ينظرون إلى النظام العالمي قيد التكوين كوحدة متداخلة وأن قيادة الولايات المتحدة للنظام العالمي الجديد تتطلب نظرة واسعة تعي إلى التأثيرات المتبادلة لمناطق الثقل في العالم. ولم ينظروا إلى المصالح المباشرة من مناطق معينة، بل ما مدى تأثير كل منطقة على النظام العالمي التي تتسيده الولايات المتحدة.

ومن هذه الوجهة لا يمكن إغفال منطقة مثل الخليج العربي والتي لها تأثير على استقرار أسواق الطاقة العالمية وتأثير ذلك على المنظومة الاقتصادية العالمية. وأن أي اختلال في الاقتصاد الدولي سيكون مردوده وخيماً على أقطار العالم. فلذا لا يمكن رؤية العلاقة الثنائية لدولة عظمى مثل الولايات المتحدة من حساب الربح والخسارة الآنية بل من منظور استراتيجي بعيد المدى. وإذا لم تتعدل هذه الرؤية فإن أمام الولايات المتحدة مطبات كثيرة في إدارة دفة قيادة النظام العالمي.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات