اتفاقية «5 + 1» ليست الأولى التي تُخرق

لم تصل الأسرة الدولية إلى ما وصلت إليه من قدرات على منع نشوب النزاعات أو احتوائها أو محاصرة تداعياتها إن حصلت من غير الاستناد إلى القوانين الدولية وإلى الاتفاقيات التي أبرمت في أطرها سواء ما أبرم منها بين طرفين أو بين أطراف عدة لتحقيق بعض الأهداف في إطار النظام العالمي القائم.

اتفاقيات كهذه ترجع إلى حقب زمنية بعيدة يرجع بعضها إلى ما قبل تشكيل الدول وقد اتخذت أشكالاً متعددة حسب الظروف التي أملتها: تجارية أو أمنية ذات طابع هجومي عدواني أو ذات طابع دفاعي وقائي، بعضها تكتيكي قصير الأمد وبعضها الآخر استراتيجي بعيدة.

وقد أصبحت بعض هذه الاتفاقيات مفاصل رئيسية في التأريخ لأهميتها أبرزها «صلح ويستفاليا» الذي عقد عام 1648 لإنهاء حربين في أوروبا والذي أرسى لأول مرة في العصور الحديثة قواعد اتفاق دبلوماسي ينص على مبدأ سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها.

كما لعبت الاتفاقيات التي أنهيت بموجبها الحربين العالميتين الأولى والثانية دوراً رئيسياً في رسم صورة العلاقات بين دول العالم، والتي تطور ونضج في ضوئها معالم ما نعرفه اليوم «النظام العالمي».

الاتفاقيات بين الدول مهما تنوعت مبررات إبرامها، حدودية أو تجارية أو دفاعية يبقى بعدها السياسي - الأمني هو الأكثر أهمية للأطراف الداخلة فيها أو الدول الأخرى المتأثرة بتداعياتها إقليمياً أو دولياً.

ولهذه الاتفاقيات بكل أشكالها أمد زمني محدود ينتهي الالتزام ببنودها بانتهائه أو انسحاب أحد الأطراف منها أو نقضها، حيث لدينا شواهد عدة من التأريخ القديم والحديث على ذلك نكتفي بذكر معاهدة ميونخ في سبتمبر 1938 بين ألمانيا وبين كل من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا استرضاءً للزعيم النازي هتلر، حيث قدمت له تشيكوسلوفاكيا على طبق من ذهب مقابل تعهده بوقف التوسع العسكري في أوروبا، اتفاقية عمد إلى خرقها لاحقاً وقام بالهجوم على بولندا وأشعل الحرب العالمية الثانية، سياسة الاسترضاء تضاعف من الأطماع التوسعية للأنظمة الشمولية.

ولنا مثال ليس بالبعيد عنا زمنياً وهو إلغاء العراق من طرف واحد في 1980 للاتفاقية مع إيران بخصوص شط العراق التي وقعت في الجزائر في مارس 1975.

وعودة إلى العنوان، لِمَ هذا التباكي الأوروبي على اتفاقية 5+1 مع إيران فهي ليست الأولى التي تخرق كما رأينا، فقد أبرمت هذه الاتفاقية لوضع البرنامج النووي الإيراني تحت سيطرة الأسرة الدولية لأمد محدد بإرادة أميركية بالدرجة الأولى في أجواء سياسية فرضتها رؤى إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما التي تمردت على استراتيجيات سلفه جورج بوش بشن الحروب واعتماد استراتيجية جديدة في السياسات الخارجية لبلاده من منظور أن منطقة الشرق الأوسط لم تعد أهم ما يقلقها لذلك عملت على تقليص انشغالاتها بها، فسحبت قواتها مبكراً من العراق، ووضعت خطة لتقليص حضورها في أفغانستان من أجل التفرغ لتركيز أكبر على جنوب شرق آسيا، حيث بدأت واشنطن ترى في الصين ليس منافساً اقتصادياً لها فحسب، بل خطراً يهدد نفوذها وربما أمنها على المدى البعيد.

وإذا كان إبرام اتفاقية ثنائية بين دولتين، كما في اتفاقية الجزائر، أو جماعية بين مجموعة من الدول، كما في اتفاقية ميونخ يخفف من حدة التوتر جزئياً أو يزيله بالكامل بين المتعاقدين، فإن خرقها أو الانسحاب منها لا يعيد مستوى التوتر إلى ما كان عليه بل يعيده وقد ازداد تأزماً واحتقاناً.

معظم الاتفاقيات التي تخرق تعقبها مواجهات يحتكم فيها إلى القوة المسلحة، كما حصل في هذين المثلين، فهل ستنطبق هذه القاعدة على خرق اتفاقية 5+1؟. الجواب عن ذلك هو ((نعم ولا))، لأنه يعتمد على ما تستنتجه طهران من دروس التأريخ وعلى مدى تمعنها في النكبات التي حلت بالدول التي اختزلت فيها مصائر الشعوب بنزوات الحكام وإراداتهم.

إدارة الرئيس ترامب تتهم بشكل غير مباشر إدارة سلفه والقوى الكبرى الأخرى التي وقعت اتفاقية 5+1 بأنها لم تتعظ بتجارب التأريخ ولم تحسن قراءتها، فعبر سياسة استرضاء إيران التي شرعتها ومارستها إدارة الرئيس أوباما ولاقت قبولاً وهوى لدى الآخرين، متجاهلين مصالح ومواقف دول المنطقة الأخرى أعطي الضوء الأخضر لحكام طهران للمضي قدماً في مشروع الهيمنة على الشرق الأوسط عبر إضعاف دوله عن طريق نشر الفوضى فيها وإحياء نزعات التموضع المذهبي.

تعليقات

تعليقات