قضية الجنسية الأميركية في سياقها التاريخي

عشية انتخابات الكونغرس، عاد التعديل الرابع عشر للدستور الأميركي للصدارة. وهو التعديل الذي لم يصبح مثيراً للجدل إلا مع صعود تيار اليمين الشعبوي في الولايات المتحدة.

فقبل أيام من الاقتراع العام للانتخابات التشريعية، والتي عادة ما يسهم فيها الرئيس الأميركي في الحملة الانتخابية لصالح حزبه، ركز الرئيس ترامب بقوة على قضية الهجرة مستهدفاً أنصاره.

فهو لم يعلن فقط أنه ينوي زيادة القوات العسكرية التي كان قد دفع بها للحدود مع المكسيك، بما مثل مفاجأة للبنتاجون، وإنما أطلق تصريحاً أعلن فيه أنه ينوي إلغاء الحصول على الجنسية الأميركية بالمولد، وأنه سيفعل ذلك من خلال أمر تنفيذي.

أما مسألة القوات العسكرية على الحدود مع المكسيك، فقد كان الرئيس الأميركي قد تعهد بإرسالها فور تواتر الأخبار عن القافلة التي تحركت من السلفادور وهندوراس وجواتيمالا سيراً على الأقدام، وقوامها 5 آلاف من الرجال والنساء والأطفال، والتي وصلت إلى المكسيك متجهة شمالاً قاصدة الحدود الأميركية .

حيث يسعى هؤلاء لطلب اللجوء إليها. وبعدما تحولت أنباء القافلة في الإعلام من قافلة من طالبي اللجوء إلى «غزو» وشيك من «أجانب»، تم الإعلان عن وصول 5200 جندي لدعم هيئة الحدود والجمارك.

ثم أعلنت وزارة الدفاع الأميركية لاحقاً أن عدد القوات وصل إلى 7 آلاف، قبل أن يعلن الرئيس أنه ينوي تعزيز تلك القوات حتى يصل عددها إلى 14 ألف جندي. لكن وزارة الدفاع فاجأها العدد الذي أعلنه الرئيس، فاستبعده الجنرال المسؤول مصرحاً بأنه «لا يتسق مع ما تم التخطيط له».

وقد تزامن الحديث عن تلك القضية مع عودة التعديل الرابع عشر للدستور الأميركي للصدارة. فقد تعهد الرئيس ترامب بإلغاء الحصول على الجنسية الأميركية بمجرد الميلاد على الأرض الأميركية، مؤكداً أول الأمر أنه سيصدر أمراً تنفيذياً لإلغائه، أي سيتخذ القرار منفرداً دون الرجوع للكونغرس. غير أنه تراجع لاحقاً .

مشيراً إلى أنه يفضل الإلغاء عبر الكونغرس. والحقيقة أن تلك ليست المرة الأولى التي يعلن فيها ترامب رغبته في إلغاء الجنسية بموجب محل الميلاد. لكن اللافت هو أنه يعلن ذلك عادة في خضم الحملات الانتخابية، أولاً أثناء حملته للرئاسة ثم أثناء حملة انتخابات الكونغرس، بما يعني أنها تصريحات هدفها حشد أصوات أنصاره.

وهو يقدم مسألة الجنسية بموجب محل الميلاد باعتبارها وسيلة سهلة يستغلها المهاجرون غير الشرعيين فتعبر النساء الحدود أثناء فترة الحمل ليضعن أطفالهن على الأرض الأميركية وبالتالي يضمنّ البقاء هناك، مع أطفالهن الرضع «الأميركيين».

لكن الحصول على الجنسية بالمولد منصوص عليه بالدستور الأميركي في تعديله الرابع عشر، الذي تم التصديق عليه عام 1868، بعد الحرب الأهلية. وقد جاء التصديق على ذلك التعديل بعد عامين فقط من إقرار التعديل الثالث عشر والذي نص صراحة على إلغاء العبودية، وكان هدفه الرئيسي إعطاء السود حقوقاً متساوية بعد تاريخ طويل من القهر والاستعباد.

وتنص الفقرة الأولى من التعديل الرابع عشر على أن «كل الذين يولدون... في الولايات المتحدة مواطنون» يحملون جنسيتها. وقد صار ذلك النص هو الأساس الذي تم البناء عليه لاحقاً لحصول السود على حقوقهم المدنية والسياسية. وهو النص الذي حصل على أساسه، بالمناسبة، السكان الأصليون للولايات المتحدة على الجنسية الأميركية.

ولأن النص الدستوري لا يمكن إلغاؤه بقرار تنفيذي من الرئيس، فقد تراجع ترامب لاحقاً مشيراً إلى أنه «يفضل» ترك الأمر للكونجرس، فى حين أن الدستور الأميركي نفسه ينص على طريقة تعديله، والتي تتطلب موافقة ثلثي أعضاء مجلسي النواب والشيوخ، ثم تصديق ثلاثة أرباع الولايات الخمسين.

لكن ترامب حين تراجع فإنه لم يتراجع عن موقفه من التعديل نفسه. ذلك لأن بعض أنصاره في اليمين الشعبوي يرفضون التعديل الرابع عشر للدستور لسبب يتعلق بما جاء في فقراته التالية. فهو حين نص على معاقبة الولايات التي «تنتهك» حقوق المواطنين فإنه نص على منح الكونغرس الحق في إصدار تشريعات «لتنفيذ» ذلك التعديل.

وإعطاء الكونغرس تلك الصلاحية هو ما يعتبره بعض أنصار ترامب افتئاتاً على حقوق الولايات لصالح الحكومة الفيدرالية ويريدون إلغاء التعديل برمته بسبب ذلك. وما لا يقل أهمية عن ذلك أن بعض أنصار اليمين يؤمنون بأفكار هي خليط من أفكار اليمين الشعبوي والتفوق الأبيض.

وهي الأفكار التي طالما بسببها رفضوا التعديل الرابع عشر للدستور الأميركي بل لا يعترفون به أصلاً، ليس فقط بسبب قضية الهجرة، وإنما لأن ذلك التعديل أسس «للمساواة أمام القانون» بين السود والبيض.

 

 

manarmes@yahoo.com

تعليقات

تعليقات